" إن ( ثم ) وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه الجملة على الجملة ليس كذلك وذكر قوله تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا ) اه " . وإفادة التراخي الرتبي هو المعتبر في عطف ثم للجمل سواء وافقت الترتيب الوجودي مع ذلك أو كان معطوفها متقدما في الوجود وقد جاء في الكلام الفصيح ما يدل على معنى البعدية مرادا منه البعدية في الرتبة وإن كان عكس الترتيب الوجودي فتكون البعدية مجازية مبنية على تشبيه البون المعنوى بالبعد المكاني أو الزماني ومنه قوله تعالى ( هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم ) فإن كونه عتلا وزنيما أسبق في الوجود من كونه همازا مشاء بنميم لأنهما صفتان ذاتيتان بخلاف هماز مشاء بنميم وكذلك قوله تعالى ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) . فإذا تمحضت ثم للتراخي الرتبي حملت عليه وإن احتملته مع التراخي الزمني فظاهر قول المرزوقي " فإنه في عطف الجملة ليس كذلك " إنه لا يحتمل حينئذ التراخي الزمني . ولكن يظهر جواز الاحتمالين وذلك حيث يكون المعطوف بها متأخرا في الحصول على ما قبلها وهو مع ذلك كما في بيت جعفر بن علبة . قلت وهو إما مجاز مرسل أو كناية فإن أطلقت ( ثم ) وأريد منها لازم التراخي وهو البعد التعظيمي كما أريد التعظيم من اسم الإشارة الموضوع للبعيد والعلاقة وإن كانت بعيدة إلا أنها لشهرتها في كلامهم واستعمالهم ومع القرائن لم يكن هذا الاستعمال مردودا .
واعلم أني تتبعت هذا الاستعمال في مواضعه فرأيته أكثر ما يرد فيما إذا كانت الجمل إخبارا عن مخبر عنه واحد بخلاف ما إذا اختلف المخبر عنه فإن ( ثم ) تتعين للمهلة الزمنية كقوله تعالى ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) إلى قوله ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) أي بعد أن أخذنا الميثاق بأزمان صرتم تقتلون أنفسكم ونحو قولك : مرت كتيبة الأنصار ثم مرت كتيبة المهاجرين .
فأما هذه الآية فإنه إذا كانت السماوات متأخرا خلقها عن خلق الأرض فثم للتراخي الرتبي لا محالة مع التراخي الزمني وإن كان خلق السماوات سابقا فثم للترتيب الرتبي لا غير . والظاهر هو الثاني . وقد جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس إن خلق الأرض متقدم على خلق السماء لقوله تعالى هنا ( ثم استوى إلى السماء ) وقوله في سورة حم السجدة ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) إلى أن قال ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) . وقال قتادة والسدى ومقاتل إن خلق السماء متقدم واحتجوا بقوله تعالى ( بناها رفع سمكها فسواها ) إلى قوله ( والأرض بعد ذلك دحاها ) . وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولا ثم خلقت السماء ثم دحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحو الأرض على ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها قشرة جامدة ثم تشققت وتفجرت وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول وقدرة الله صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه .
وأرجح القولين هو أن السماء خلقت قبل الأرض لأن لفظ ( بعد ذلك ) أظهر في إفادة التأخر من قوله ( ثم استوى إلى السماء ) ولأن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض . وأحسب أن سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض لقطع الخصومة بين أصحاب النظريتين .
والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها . وإن أريد بها الكواكب العلوية وذلك هو المناسب لقوله ( فسواهن سبع سماوات ) فالكواكب أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا وقد يكون كل من الاحتمالين ملاحظا في مواضع من القرآن غير الملاحظ فيها الاحتمال الآخر .
A E