وقرأ الجمهور هاء ( وهو ) بالضم على الأصل وقرأها قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه والسكون أكثر من الضم في كلامهم وذلك مع الواو والفاء ولام الابتداء ووجهه أن الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة تنزلت منزلة الجزء منها فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في حركة لام الأمر مع الواو والفاء ومما يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان الهاء من ( هو ) إذا دخل عليه حرف أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دعوى أنه ضرورة .
( وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة ) عطفت الواو قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض انتقالا بهم في الاستدلال على أن الله واحد وعلى بطلان شركهم وتخلصا من ذكر خلق السماوات والأرض إلى خلق النوع الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها ليجمع بين تعدد الأدلة وبين مختلف تكوين العوالم وأصلها ليعلم المسلمون ما علمه أهل الكتاب من العلم الذي كانوا يباهون به العرب وهو ما في سفر التكوين من التوراة .
واعلم أن موقع الدليل بخلق آدم على الوحدانية هو أن خلق أصل النوع أمر مدرك بالضرورة لأن كل إنسان إذا لفت ذهنه إلى وجوده علم أنه وجود مسبوق بوجود أصل له بما يشاهد من نشأة الأبناء عن الآباء فيوقن أن لهذا النوع أصلا أول ينتهي إليه نشؤه وإذ قد كانت العبرة بخلق ما في الأرض جميعا أدمجت فيها منة وهي قوله ( لكم ) المقتضية أن خلق ما في الأرض لأجلهم تهيأت أنفسهم لسماع قصة إيجاد منشأ الناس الذين خلقت الأرض لأجلهم ليحاط بما في ذلك من دلائل القدرة مع عظيم المنة وهي منة الخلق التي نشأت عنها فضائل جمة ومنة التفضيل ومنة خلافة الله في الأرض فكان خلق أصلنا هو أبدع مظاهر إحيائنا الذي هو الأصل في خلق ما في الأرض لنا فكانت المناسبة في الانتقال إلى التذكير به واضحة مع حسن التخلص إلى ذكره خبره العجيب فإيراد واو العطف هنا لأجل إظهار استقلال هذه القصة في حد ذاتها في عظم شأنها .
و ( إذ ) من أسماء الزمان المبهمة تدل على زمان نسبة ماضية وقعت فيه نسبة أخرى ماضية قارنتها ف ( إذ ) تحتاج إلى جملتين جملة أصلية وهي الدالة على المظروف وتلك هي التي تكون مع جميع الظروف وجملة تبين الظرف ما هو لأن ( إذ ) لما كانت مبهمة احتاجت لما يبين زمانها عن بقية الأزمنة فلذلك لزمت إضافتها إلى الجمل أبدا والأكثر في الكلام أن تكون إذ في محل ظرف لزمن الفعل فتكون في محل نصب على المفعول فيه وقد تخرج ( إذ ) عن النصب على الظرفية إلى المفعولية كأسماء الزمان المتصرفة على ما ذهب إليه صاحب الكشاف وهو مختار ابن هشام خلافا لظاهر كلام الجمهور فهي تصير ظرفا مبهما متصرفا وقد يضاف إليها اسم زمان نحو يومئذ وساعتئذ فتجر بإضافة صورية ليكون ذكرها وسيلة إلى حذف الجملة المضافة هي إليها وذلك أن ( إذ ) ملازمة للإضافة فإذا حذف جملتها علم السامع أن هنالك حذفا فإذا أرادوا أن يحذفوا جملة مع اسم زمان غير ( إذ ) خافوا أن لا يهتدي السامع لشيء محذوف حتى يتطلب دليله فجعلوا إذ قرينة على إضافة وحذفوا الجملة لينبهوا السامع فيتطلب دليل المحذوف .
A E