وفعل قدس يتعدى بنفسه فالإتيان باللام مع مفعوله في الآية لإفادة تأكيد حصول الفعل نحو شكرت لك ونصحت لك وفي الحديث عند ذكر الذي وجد كلبا يلهث من العطش فأخذ خفه فأدلاه في الركية فسقاه فشكر الله له أي شكره مبالغة في الشكر لئلا يتوهم ضعف ذلك الشكر من أنه عن عمل حسنة مع دابة فدفع هذا الإيهام بالتأكيد باللام وهذا من أفصح الكلام فلا تذهب مع الذين جعلوا قوله ( لك ) متعلقا بمحذوف تقديره حامدين أو هو متعلق بنسبح واللام بمعنى لأجلك على معنى حذف مفعول نسبح أي نسبح أنفسنا أي ننزهها عن النقائص لأجلك أي لطاعتك فذلك عدول عن فصيح الكلام ولك أن تجعل اللام لام التبيين التي سنتعرض لها عند قوله تعالى ( واشكروا لي ولا تكفرون ) .
فمعنى ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك نحن نعظمك وننزهك والأول بالقول والعمل والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية فلا يتوهم التكرار بين نسبح ونقدس .
وأوثرت الجملة الإسمية في قوله ( ونحن نسبح ) لإفادة الدلالة على الدوام والثبات أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه الجملة الاسمية من الدوام أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا المخلوق والأظهر أن التقديم لمجرد التقوى نحو هو يعطي الجزيل .
( قال إني أعلم ما لا تعلمون [ 30 ] ) جواب لكلامهم فهو جار على أسلوب المقاولة في المحاورات كما تقدم أي أعلم ما في البشر من صفات الصلاح ومن صفات الفساد وأعلم أن صلاحه يحصل منه المقصد من تعمير الأرض وأن فساده لا يأتي على المقصد بالإبطال وأن في ذلك كله مصالح عظيمة ومظاهر لتفاوت البشر في المراتب واطلاعا على نموذج من غايات علم الله تعالى وإرادته وقدرته بما يظهره البشر من مبالغ نتائج العقول والعلوم والصنائع والفضائل والشرائع وغير ذلك . كيف ومن أبدع ذلك أن تركب الصفتين الذميمتين يأتي بصفات الفضائل كحدوث الشجاعة من بين طرفي التهور والجبن . وهذا إجمال في التذكير بأن علم الله تعالى أوسع مما علموه فهم يوقنون إجمالا أن لذلك حكمة ومن المعلوم أن لا حاجة هنا لتقدير وما تعلمون بعد ( مالا تعلمون ) لأنه معروف لكل سامع ولأن الغرض لم يتعلق بذكره وإنما تعلق بذكر علمه تعالى بما شذ عنهم . وقد كان قول الله تعالى هذا تنهية للمحاورة وإجمالا للحجة على الملائكة بأن سعة علم الله تحيط بما لم يحط به علمهم وأنه حين أراد أن يجعل آدم خليفة كانت إرادته عن علم بأنه أهل للخلافة وتأكيد الجملة بأن لتنزيل الملائكة في مراجعتهم وغفلتهم عن الحكمة منزلة المترددين .
( وعلم آدم الأسماء كلها ) A E معطوف على قوله ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ) عطف حكاية الدليل التفصيلي على حكاية الاستدلال الإجمالي الذي اقتضاه قوله ( إني أعلم ما لا تعلمون ) فإن تعليم آدم الأسماء وإظهار فضيلته بقبوله لهذا التعليم دون الملائكة جعله الله حجة على قوله لهم ( إني أعلم ما لا تعلمون ) أي ما لا تعلمون من جدارة هذا المخلوق بالخلافة في الأرض وعطف ذكر آدم بعد ذكر مقالة الله للملائكة وذكر محاورتهم يدل على أن هذا الخليفة هو آدم وأن آدم اسم لذلك الخليفة وهذا الأسلوب من بديع الإجمال والتفصيل والإيجاز كما قال النابغة : .
فقلت لهم لا أعرفن عقائلا ... رعابيب من جنبي أريك وعاقل الأبيات ثم قال بعدها : .
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل .
مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل فدل على أن ما ذكره سالفا من العقائل التي بين أريك وعاقل ومن الأنعام المغتنمة هو ما يتوقع من غزو عمرو بن الحرث الغساني ديار بني عوف من قومه
