وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية أي لقنها الله تعالى البشر على لسان آدم ولا على عدمه لأن طريقة التعليم في قوله تعالى ( وعلم آدم الأسماء ) مجملة محتملة لكيفيات كما قدمناه . والناس متفقون على أن القدرة عليها إلهام من الله وذلك تعليم منه سواء لقن آدم لغة واحدة أو جميع لغات البشر . وأسماء كل شيء أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة والمسألة مفروضة في علم الله وفي أصول الفقه وفيها أقوال ولا أثر لهذا الاختلاف لا في الفقه ولا في غيره قال المازري " إلا في جواز قلب اللغة والحق أن قلب الألفاظ الشرعية حرام وغيره جائز " ولقد أصاب المازري وأخطأ كل من رام أن يجعل لهذا الخلاف ثمرة غير ما ذكر وفي استقراء ذلك ورده طول وأمره لا يخفى عن سالمي العقول .
( ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين [ 31 ] ) A E قيل عطفه ب ( ثم ) لأن بين ابتداء التعليم وبين العرض مهلة وهي مدة تلقين الأسماء لآدم أو مدة إلهامه وضع الأسماء للمسميات . والأظهر أن ثم هنا للتراخي الرتبي كشأنها في عطفها الجمل لأن رتبة هذا العرض وظهور عدم علم الملائكة وظهور علم آدم وظهور أثر علم الله وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة من رتبة مجرد تعلمه الأسماء لو بقى غير متصل به ما حدث من الحادثة كلها . ولما كان مفهوم لفظ " اسم " من المفهومات الإضافية التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها اذ الاسم لا يكون إلا المسمى كان ذكر الأسماء مشعرا لا محالة بالمسميات فجاز للبليغ أن يعتمد على ذلك ويحذف لفظ المسميات إيجازا . وضمير عرضهم للمسميات لأنها التي تعرض بقرينة قوله ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) وبقرينة قوله ( وعلم آدم الأسماء كلها ) فإن الاسم يقتضي مسمى وهذا من إيجاز الحذف وأما الأسماء فلا تعرض لأن العرض إظهار الذات بعد خفائها ومنه عرض الشيء للبيع ويوم العرض والألفاظ لا تظهر فتعين أن المعروض مدلولات الأسماء إما بأن نعرض صور من الذوات فقط ويسأل عن معرفة أسمائها أي معرفة الألفاظ الدالة عليها أو عن بيان مواهيها وخصائصها وإما بأن تعرض الذوات والمعاني بخلق أشكال دالة على المعاني كعرض الشجاعة في صورة فعل صاحبها والعلم في صورة إفاضة العالم في درسه أو تحريره كما نرى في الصور المنحوتة أو المدهونة للمعاني المعقولة عند اليونان والرومان والفرس والصور الذهنية عند الإفرنج بحيث يجد الملائكة عند مشاهدة تلك الهيئة أن المعروض معنى شجاعة أو معنى علم ويقرب ذلك ما يحصل في المرائي الحلمية . والحاصل أن الحال المذكورة في الآية حالة عالم أوسع من عالم المحسوسات والمادة .
وإعادة ضمير المذكر العاقل على المسميات في قوله ( عرضهم ) للتغليب لأن أشرف المعروضات ذوات العقلاء وصفاتهم على أن ورود مثله بالألفاظ التي أصلها للعقلاء طريقة عربية نحو قوله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) والداعي إلى هذا أن يعلم ابتداء أن المعروض غير الأسماء حتى لا يضل فهم السامع قبل سماع قرينة ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) .
وقوله تعالى ( فقال أنبئوني ) تفريع على العرض وقرن بالفاء لذلك . والأمر في قوله ( أنبئوني ) أمر تعجيز بقرينة كون المأمور يعلم أن الآمر عالم بذلك فليس هذا من التكليف بالمحال كما ظنه بعض المفسرين . واستعمال صيغة الأمر في التعجيز مجاز ثم إن ذلك المعنى المجازي يستلزم علم الآمر بعجز المأمور وذلك يستلزم علم الآمر بالمأمور به .
والإنباء الإخبار بالنبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة والأهمية بحيث يحرص السامعون على اكتسابه ولذلك تضمن الإنباء معنى الإعلام لأن المخبر به يعد مما يعلم ويعتقد بوجه أخص من اعتقاد مطلق الخبر فهو أخص من الخبر .
وقوله ( أن كنتم صادقين ) إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم ( ونحن نسبح ) الخ تعريضا بأنهم أحقاء بذلك . أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) كان قولهم ( ونحن نسبح بحمدك ) لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه