جملة ( أم اتخذوا من دونه آلهة ) تأكيد لجملة ( أم اتخذوا آلهة من الأرض ) . أكد ذلك الإضراب الانتقالي بمثله استعظاما لفظاعته وليبنى عليه استدلال آخر كما بني على نظيره السابق ؛ فإن الأول بني عليه دليل استحالة من طريق العقل وهذا بني عليه دليل بطلان بشهادة الشرائع سابقها ولاحقها فلقن الله رسوله A أن يقول : ( هاتوا برهانكم ) أي هاتوا دليلا على أن لله شركاء من شواهد الشرائع والرسل .
والبرهان : الحجة الواضحة . وتقدم في قوله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ) في سورة النساء .
والإشارة في قوله تعالى ( هذا ذكر من معي ) إلى مقدر في الذهن يفسره الخبر . والمقصود من الإشارة تمييزه وإعلانه بحيث لا يستطيع المخاطب المغالطة فيه ولا في مضمونه كقوله تعالى : ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) في سورة لقمان أي أن كتب الذكر أي الكتب الدينية في متناول الناس فانظروا هل تجدون في أحد منها أن لله شركاء وأن الله أذن باتخاذهم آلهة . وإضافة ( ذكر ) إلى ( من معي ) من إضافة المصدر إلى مفعوله وهم المذكرون " بفتح الكاف " .
والمعية في قوله تعالى ( من معي ) معية المتابعة أي من معي من المسلمين فما صدق ( من ) الموصولة الأمم أي هذا ذكر الأمة التي هي معي أي الذكر المنزل لأجلكم . فالإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله تعالى : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) . والمراد بقوله تعالى : ( هذا ذكر من معي ) القرآن وأما قوله تعالى : ( وذكر من قبلي ) فمعناه ذكر الأمم الذين هم قبلي يشمل جميع الكتب السالفة المعروفة : التوراة والزبور والإنجيل وكتاب لقمان . وهذا كقوله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) في آل عمران .
وأضرب عن الاستدلال بأنه استدلال مضيع فيهم بقوله تعالى ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) أي لا ترج منهم اعترافا ببطلان شركهم من دليل العقل المتقدم ولا من دليل شهادة الشرائع المذكور ثانيا فإن أكثرهم لا يعلمون الحق ولا يكتسبون علمه .
والمراد بكونهم لا يعلمون الحق أنهم لا يتطلبون علمه كما دلت عليه قرينة التفريع عليه بقوله تعالى ( فهم معرضون ) أي معرضون عن النظر في الأدلة التي تدعوهم أنت إلى معرفتها والنظر فيها .
وإنما أسند هذا الحكم إلى أكثرهم لا لجميعهم تسجيلا عليهم بأن قليلا منهم يعلمون الحق ويجحدونه أو إيماء إلى أن قليلا منهم تهيأت نفوسهم لقبول الحق . وتلك هي الحالة التي تعرض للنفس عند هبوب نسمات التوفيق عليها مثل عرض لعمر بن الخطاب حين وجد اللوح عند أخته مكتوبا فيه سورة طه فأقبل على قراءاته بشراشره فما أتمهما حتى عزم على الإسلام .
( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [ 25 ] ) A E لما أظهر لرسوله أن المعاندين لا يعلمون الحق لإعراضهم عن تلقيه أقبل على رسوله A بتأييد مقاله الذي لقنه أن يجيبهم به وهو قوله تعالى : ( قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) فأفاده تعميمه في شرائع سائر الرسل سواء من أنزل عليه كتاب ومن لم ينزل عليه كتاب وساء من كان كتابه باقيا مثل موسى وعيسى وداود ومن لم يبق كتابه مثل إبراهيم .
وليس ذكر هذه الجملة لمجرد تقرير ما قبلها من آي التوحيد وإن أفادت التقرير تبعا لفائدتها المقصودة . وفيها إظهار لعناية الله تعالى بإزالة الشرك من نفوس البشر وقطع دابره إصلاحا لعقولهم بأن يزال منها أفظع خطل وأسخف رأي ولم تقطع دابر الشرك شريعة كما قطعه الإسلام بحيث لم يحدث الإشراك في هذه الأمة .
وحرف ( من ) في قوله تعالى ( من رسول ) مزيد لتوكيد النفي .
وفرع فيما أوحي إليهم أمره إياهم بعبادته على الإعلان بأنه لا إله غيره فكان استحقاق العبادة خاصا به تعالى .
وقرأ الجمهور ( إلا يوحى إليه ) بمثناة تحتية مبنيا للنائب وقرأه حفص وحمزة والكسائي بالنون مبنيا للفاعل والاستثناء المفرع في موضع الحال