ويجوز على هذا الاحتمال أن يكون الرتق والفتق على التوزيع أي كانت السماوات رتقا في حد ذاتها وكانت الأرض رتقا في حد ذاتها ثم فتق الله السماوات وفتق الأرض وهذا كقوله تعالى : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) في سورة فصلت .
وعلى هذين الاحتمالين يكون الاستفهام تقريريا عن إعراضهم عن استماع الآيات التي وصفت بدء الخلق ومشوبا بالإنكار على ذلك .
وعلى جميع التقادير فالمقصود من ذلك أيضا الاستدلال على أن الذي خلق السماوات والأرض وأنشأهما بعد العدم قادر على أن يخلق الخلق بعد انعدامه قال تعالى : ( أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ) .
ويحتمل أن يراد بالرتق العدم وبالفتق الإيجاد . وإطلاق الرؤية على العلم على هذا الاحتمال ظاهر لأن الرتق بهذا المعنى محقق أمرهما عندهم قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) .
ويحتمل أن يراد بالرتق الظلمة وبالفتق النور فالموجودات وجدت في ظلمة ثم أفاض الله عليها النور بأن أوجد في بعض الأجسام نورا أضاء الموجودات .
ويحتمل أن يراد بالرتق اتحاد الموجودات حين كانت مادة واحدة أو كانت أثيرا أو عماء كما جاء في الحديث " كان في عماء " فكانت جنسا عاليا متحدا ينبغي أن يطلق عليه اسم مخلوق وهو حينئذ كلي انحصر في فرد . ثم خلق الله من ذلك الجنس أبعاضا وجعل لكل بعض مميزات ذاتية فصير كل متميز بحقيقة جنسا فصارت أجناسا . ثم خلق في الأجناس مميزات بالعوارض لحقائقها فصارت أنواعا . وهذا الاحتمال أسعد بطريقة الحكماء وقد اصطلحوا على تسمية هذا التمييز بالرتق والفتق وبعض من الصوفية وهو صاحب مرآة العارفين جعل الرتق علما على العنصر الأعظم يعني الجسم الكل والجسم الكل هو الفلك الأعظم المعبر عنه بالعرش . ذكر ذلك الحكيم الصوفي لطف الله الأرضرومي صاحب معارج النور في أسماء الله الحسنى المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الذي دخل تونس عام 1185ه في مقدمات كتابه معارج النور وفي رسالة له سماها رسالة الفتق والرتق .
والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعا فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس وعلى عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير .
( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون [ 30 ] ) زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله . وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات . وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابسا لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة ولذلك كان استمرار الحمى مفضيا إلى الهزال ثم إلى الموت .
و ( جعل ) هنا بمعنى خلق متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها التحول من حال إلى حال .
و ( من الماء ) متعلق ب ( جعلنا ) . و ( من ) ابتدائية . وفرع عليه ( أفلا يؤمنون ) إنكارا عليهم عدم إيمانهم الإيمان الذي دعاهم إليه محمد A وهو الإيمان بوحدانية الله .
A E ( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون [ 31 ] ) هذا من آثار فتق الأرض في حد ذاتها إذ أخرج الله منها الجبال وذلك فتق تكوين وجعل فيها الطرق أي الأرضين السهلة التي يتمكن الإنسان من المشي فيها عكس الجبال .
والرواسي : الجبال لأنها رست في الأرض أي رسخت فيها . والميد : الاضطراب . وقد تقدم في أول سورة النحل