وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه جميع من لدينا كتبهم من المفسرين . والوجه الأول أرجح معنى لأنه المناسب مناسبة تامة للكافرين الحاضرين المقرعين ولتكذيبهم بالوعيد بالهلاك في قولهم ( متى هذا الوعد ) ولقوله تعالى ( سأريكم آياتي ) كما تقدم .
A E وقوله تعالى ( ولا هم ينصرون ) عطف على ( لا يكفون ) أي لا يكف عنهم نفح النار أو لا يدفعون عن أنفسهم نفح النار ولا يجدون لهم ناصرا ينصرهم فهم واقعون في ورطة العذاب . وفي هذا إيماء إلى أنهم ستحل بهم هزيمة بدر فلا يستطيعون خلاصا منها ولا يجدون نصيرا من أحلافهم .
و ( بل ) للإضراب الانتقالي من تهويل ما أعد لهم إلى التهديد بأن ذلك يحل بهم بغتة وفجأة وهو أشد على النفوس لعدم التهيؤ له والتوطن عليه كما قال كثير : .
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت وإن كان المراد عذاب الآخرة فنفي الناصر تكذيب لهم في قولهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) .
وفاعل ( تأتيهم ) ضمير عائد إلى الوعد . وإنما قرن الفعل بعلامة المؤنث على الوجه الأول المتقدم في قوله تعالى ( حين لا يكفون عن وجوههم النار ) باعتبار الوقعة أو نحو ذلك وهو إيماء إلى أن ذلك سيكون فيما اسمه لفظ مؤنث مثل الوقعة والغزوة . وأما على الوجه الثاني المتقدم الذي درج عليه سائر المفسرين فيما رأينا فلتأويل الوعد بالساعة أو القيامة أو الحين في معنى الساعة .
والبغتة : المفاجأة وهي حدوث شيء غير مترقب .
والبهت : الغلب المفاجئ المعجز عن المدافعة يقال : بهته فبهت . قال تعالى في سورة البقرة : ( فبهت الذي كفر ) أي غلب وهو معنى التفريع في قوله تعالى ( فلا يستطيعون ردها ) وقوله تعالى ( ولا هم ينظرون ) أي لا تؤخر عنهم . وفيه تنبيه لهم إلى أنهم أنظروا زمنا طويلا لعلهم يقلعون عن ضلالهم .
وما أشد انطباق هذه الهيئة على ما حصل لهم يوم بدر قال تعالى : ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) في الأنفال وقال تعالى ( ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) . ولا شك في أن المستهزئين مثل أبي جهل وشيبة ابني ربيعة وعتبة ابن ربيعة وأمية بن خلف كانوا ممن بغتهم عذاب السيف وكان أنصارهم من قريش ممن بهتهم ذلك .
وأما إذا أريد بضمير ( تأتيهم ) الساعة والقيامة فهي تأتي بغتة لمن هم من جنس المشركين أو تأتيهم النفخة والنشرة . وأما أولئك المستهزئون فكانوا قد انقرضوا منذ قرون .
( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا يستهزئون [ 41 ] ) عطف على جملة ( سأريكم آياتي ) تطمين للنبي A وتسلية له . ومناسبة عطفها على جملة ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ) إلى آخرها ظاهرة . وقد تقدم نظير هذه الآية في أوائل سورة الأنعام .
( قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون [ 42 ] أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون [ 43 ] بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر ) بعد أن سلي الرسول A على استهزائهم بالوعيد أمر أن يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظا لهم من العذاب غيره ولا تمنعهم منه آلهتهم . والاستفهام إنكار وتقريع أي لا يكلؤكم منه أحد فكيف تجهلون ذلك تنبيها لهم إذ نسوا نعمه .
وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل : من يكلؤكم في جميع الأوقات .
وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يعين أسباب الضر على الوصول إلى مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام .
وذكر النهار بعده للاستيعاب .
ومعنى ( من الرحمن ) من بأسه وعذابه .
وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو شأن الإضراب
