والمراد من الأبناء قيل أطفال اليهود وقيل أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل ويسبون الأمهات استعبادا لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج . وإبقاء الرجال في مثل هاته الحالة أشد من قتلهم . أو لعل تقصيرا ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن فكان المستعبدون لهم إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل .
والاستحياء استفعال يدل على الطلب للحياة أي يبقونهن أحياء أو يطلبون حياتهن . ووجه ذكره هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب أن هذا الاستحياء للإناث كان المقصد منه خبيثا وهو أن يعتدوا على أعراضهن ولا يجدن بدا من الإجابة بحكم الأسر والاسترقاق فيكون قوله ( ويستحيون نساءكم ) كناية عن استحياء خاص ولذلك أدخل في الإشارة في قوله ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) ولو كان المراد من الاستحياء ظاهره لما كان وجه لعطفه على تلك المصيبة .
وقيل إن الاستحياء من الحياء وهو الفرج أي يفتشون النساء في أرحامهن ليعرفوا هل بهن حمل وهذا بعيد جدا وأحسن منه أن لو قال إنه كناية كما ذكرنا آنفا .
وقد حكت التوراة أن فرعون أوصى القوابل بقتل كل مولود ذكر .
وجملة ( يذبحون أبناءكم ) الخ بيان لجملة ( يسومونكم سوء العذاب ) فيكون المراد من سوء العذاب هنا خصوص التذبيح وما عطف عليه وهو ويستحيون نساءكم لما عرفت فكلاهما بيان لسوء العذاب فكان غير ذلك من العذاب لا يعتد به تجاه هذا . ولك أن تجعل الجملة في موضع بدل البعض تخصيصا لأعظم أحوال سوء العذاب بالذكر وهذا هو الذي يطابق آية سورة إبراهيم التي ذكر فيها ( ويذبحون أبناءكم ) بالعطف على ( سوء العذاب ) وليس قوله ويستحيون مستأنفا لإتمام تفصيل صنيع فرعون بل هو من جملة البيان أو البدل للعذاب ويدل لذلك قوله تعالى في الآية الأخرى ( يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) فعقب الفعلين بقوله إنه كان من المفسدين .
والبلاء الاختبار بالخير والشر قال تعالى ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) وهو مجاز مشهور حقيقته بلاء التوب يفتح الباء مع المد وبكسرها مع القصر وهو تخلقه وترهله ولما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب سمي بلاء كأنه يخلق النفس ثم شاع في اختبار الشر لأنه أكثر إعناتا للنفس وأشهر استعماله إذا أطلق أن يكون للشر فإذا أرادوا به الخير احتاجوا إلى قرينة أو تصريح كقول زهير : .
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فيطلق غالبا على المصيبة التي تحل بالعبد لأن بها يختبر مقدار الصبر والأناة والمراد هنا المصيبة بدليل قوله عظيم . وقيل أراد به الإنجاء والبلاء بمعنى اختبار الشكر وهو بعيد هنا .
وتعلق الإنجاء بالمخاطبين لأن إنجاء سلفهم إنجاء لهم فإنه لو أبقى سلفهم هنالك للحق المخاطبين سوء العذاب وتذبيح الأبناء . أو هو على حذف مضاف أي نجينا آباءكم أو هو تعبير عن الغائب بضمير الخطاب إما لنكتة استحضار حاله وإما لكون المخاطبين مثالهم وصورتهم فإن ما يثبت من الفضائل لآباء القبيلة يثبت لأعقابهم فالإتيان بضمير المخاطب على خلاف مقتضى الظاهر على حد ما يقال في قوله تعالى ( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) فالخطاب ليس بالتفات لأن اعتبار أحوال القبائل يعتبر للخلف ما ثبت منه للسلف .
( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون [ 50 ] ) A E