ولك أن تقول إن أصل معنى الفاء العاطفة الترتيب والتعقيب لا غير وهو المعنى الملازم لها في جميع مواقع استعمالها فإن الاطراد من علامات الحقيقة . وأما الترتب أي السببية فأمر عارض لها فهو من المجاز أو من مستتبعات التراكيب ألا ترى أنه يوجد تارة ويتخلف أخرى فإنه مفقود في عطف المفردات نحو جاء زيد فعمرو وفي كثير من عطف الجمل نحو قوله تعالى ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ) فلذلك كان معنى السببية حيثما استفيد محتاجا إلى القرائن فإن لم تتطلب له علاقة قلت هو من مستتبعات تراكيب بقرينة المقام وإن تطلبت له علاقة - وهي لا تعوزك - قلت هو مجاز لأن أكثر الأمور الحاصلة عقب غيرها يكون موجب التعقيب فيها هو السببية ولو عرفا ولو ادعاء فليس خروج الفاء عن الترتب هو المجاز بل الأمر بالعكس . ومما يدل على أن حقيقة الفاء العاطفة هو الترتيب والتعقيب فقط أن بعض البيانيين جعلوا قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ) اللام فيه مستعارة لمعنى فاء التعقيب أي فكان لهم عدوا فجعلوا الفاء حقيقة في التعقيب ولو كانت للترتيب لساوت اللام فلم تستقم الاستعارة فيكون الوجه الحامل للزمخشري على تقدير المحذوف مقترنا بالفاء هو أنه رأى عطف الظلم على ( وظللنا عليكم الغمام ) وما بعده بالواو ولا يحسن لعدم الجهة الجامعة بين الامتنان والذم والمناسبة شرط في قبول الوصل بالواو بخلاف العطف بالفاء فتعين إما تقدير ظلموا مستأنفا بدون عطف وظاهر أنه ليس هنالك معنى على الاستئناف وإما ربط ظلموا بعاطف سوى الواو وليس يصلح هنا غير الفاء لأن المعطوف حصل عقب المعطوف عليه فكان ذلك التعاقب في الخارج مغنيا عن الجهة الجامعة ولذلك كانت الفاء لا تستدعي قوة مناسبة كمناسبة الواو ولكن مناسبة في الخيال فقط وقد وجدت هنا لأن كون المعطوف حصل في الخارج عقب المعطوف عليه مما يجعله حاضرا في خيال الذي يتكلم عن المعطوف عليه وأما قبح نحو قولك جاء زيد فصاح الديك فلقلة جدوى هذا الخبر ألا تراه يصير حسنا لو أردت بقولك فصاح الديك معنى التوقيت بالفجر فبهذا ظهر أنه لم يكن طريق لربط الظلم المقدر بالفعلين قبله إلا الفاء .
وفي ذلك الإخبار والربط والتصدي لبيانه مع غرابة هذا التعقيب تعريض بمذمتهم إذ قابلوا الإحسان بالكفران وفيه تعريض بغباوتهم إذ صدفوا عن الشكر كأنهم ينكون بالمنعم وهم إنما يوقعون النكاية بأنفسهم هذا تفصيل ما يقال على تقدير صاحب الكشاف .
A E والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة ( وما ظلمونا ) عطف على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلما قد حصل منهم من قوله ( ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ) وقوله ( أنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) وما تضمنه قولكم ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله ( وما يخادعون إلا أنفسهم ) عقب قوله ( يخادعون الله والذين آمنوا ) ونظير قولهم ( وظلموا أنفسهم ) بعد الكلام السابق وهو قوله ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ) الآية . وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضا بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم . وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ) الآية فكان قوله ( وما ظلمونا ) تمهيدا له وتعجيلا بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم .
وقوله ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولا بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكى غيره كما قيل : يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه