هذا تذكير بنعمة أخرى مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ولا رعوها حق رعايتها فحرموا منها إلى حين وعوقب الذين كانوا السبب في عدم قبولها . وفي التذكير بهذه النعمة امتنان عليهم ببذل النعمة لهم لأن النعمة نعمة وإن لم يقبلها المنعم عليه وإثارة لحسرتهم على ما فات أسلافهم وما لقوه من جراء إعجابهم بآرائهم وموعظة لهم أن لا يقعوا فيما وقع فيه الأولون فقد علموا أنهم كلما صدقوا عن قدر حق النعم نالتهم المصائب . قال الشيخ ابن عطاء الله : من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها . ولعلم المخاطبين بما عنته هذه الآية اختصر فيها الكلام اختصارا ترك كثيرا من المفسرين فيها حيارى . فسلكوا طرائق في انتزاع تفصيل المعنى من مجملها فما أتوا على شيء مقنع وكنت تجد أقوالهم هنا إذا التأم بعضها بنظم الآية لا يلتئم بعضه الآخر وربما خالف جميعها ما وقع في آيات أخر . والذي عندي من القول في تفسير هاته الآية أنها أشارت إلى قصة معلومة تضمنها كتبهم وهي أن بني إسرائيل لما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر فأرسل موسى اثني عشر رجلا ليتجسسوا أرض كنعان من كل سبط رجل وفيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون فوجدوا الأرض ذات خيرات وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوما وأخبروا موسى وهارون وجميع بني إسرائيل وأروهم ثمر الأرض وأخبروهم أنها حقا تفيض لبنا وعسلا غير ان أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جدا فأمر موسى كالبا فأنصت إسرائيل إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها وكذلك يوشع أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني إسرائيل مذمة الأرض وأنها تأكل سكانها وأن سكانها جبابرة فخافت بنو إسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا فلم يصغ القوم لهم وأوحى الله لموسى أن بني إسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخل لها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعا وكالبا وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم . فهذه الآية تنطبق على هذه القصة تمام الانطباق لا سيما إذا ضمت لها آية سورة المائدة ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) إلى قوله ( الفاسقين ) فقوله ( ادخلوا هذه القرية ) الظاهر أنه أراد بها " حبرون " التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بثمارها وقيل أراد من القرية الجهة كلها قاله القرطبي عن عمرو بن شبة فإن القرية تطلق على المزرعة لكن هذا يبعده قوله ( وادخلوا الباب ) يطلق على المدخل بين الجبلين وكيفما كان ينتظم ذلك مع قوله ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) يشير إلى الثمار الكثيرة هناك . وقوله ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) يتعين أنه إشارة إلى ما أشاعه الجواسيس العشرة من مذمة الأرض وصعوبتها وأنهم لم يقولوا مثل ما قال موسى حيث استنصت الشعب بلسان كالب بن بفنة ويوشع ويدل لذلك قوله تعالى في سورة الأعراف ( فبدل الذين ظلموا منهم قولا ) أي من الذين قيل لهم ادخلوا القرية وأن الرجز الذي أصاب الذين ظلموا هو الوباء الذي أصاب العشرة الجواسيس وينتظم ذلك أيضا مع قوله في آية المائدة ( ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ) إلخ وقوله ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب ) فإن الباب يناسب القرية . وقوله ( قال فإنها محرمة عليهم ) فهذا هو التفسير الصحيح المنطبق على التاريخ الصريح . فقوله ( وإذ قلنا ) أي على لسان موسى فبلغه للقوم بواسطة استنصات كالب بن بفنة وهذا هو الذي يوافق ما في سورة العقود في قوله تعالى ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) الآيات . وعلى هذا الوجه فقوله ( ادخلوا ) إما أمر مفعول بدخول قرية قريبة منهم وهي " حبرون " لتكون مركزا أولا لهم والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول عليه أعني القتال كما دلت عليه آية المائدة إذ قال ( ادخلوا الأرض المقدسة ) إلى قوله ( ولا ترتدوا على
