فمجيء ( إن ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقه لدفع توهم أن ما سبق من المذمات شامل لجميع اليهود فإن كثيرا من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضلت كانوا مثلهم في الضلال . ولقد عجب بعض الأصحاب لما ذكرت لهم أني حين حللت في رومة تبركت بزيارة قبر القديس بطرس توهما منهم بكون قبره في كنيسة رومة فبينت لهم أنه أحد الحواريين أصحاب المسيح عيسى عليه السلام .
وابتدئ بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين فلا يذكر أهل الخير إلا ويذكرون معهم ومن مراعاة هذا المقصد قوله تعالى في سورة النساء ( لكن الراسخون في العلم منهم " أي الذين هادوا " والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك ) الآية ولأنهم القدوة لغيرهم كما قال تعالى ( فإن الذين آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) فالمراد من الذين آمنوا في هذه الآية هم المسلمون الذين صدقوا بالنبي محمد A وهذا لقب للأمة الإسلامية في عرف القرآن .
( والذين هادوا ) هم بنو إسرائيل وقد مضى الكلام عليهم وإنما يذكر هنا وجه وصفهم بالذين هادوا ومعنى هادوا كانوا يهودا أو دانوا بدين اليهود . وأصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية وهو في العبرانية بذال معجمة في آخره وهو علم أحد أسباط إسرائيل وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين مملكة رحبعام بن سليمان ولم يتبعه إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين وتلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه " أورشليم " ومملكة ملكها يوربعام بن بناط غلام سليمان وكان شجاعا نجيبا فملكته بقية الأسباط العشرة عليهم وجعل مقر مملكته " السامرة " وتلقب بملك إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفا وخمسين سنة ثم انقرض على يد ملوك الآشوريين فاستأصلوا الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيدا لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقا من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل ملك إلا ملك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناء سليمان عليه السلام فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يهود أي يهوذا ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 قبل المسيح مسيحية في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاء الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط .
ولعل هذا وجه اختيار لفظ ( الذين هادوا ) في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا . ثم صار اسم اليهود مطلقا على المتدينين بدين التوراة قال تعالى ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) الآية ويقال تهود إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث " يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " . ويقال هاد إذا دان باليهودية قال تعالى ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) .
وأما في سورة الأعراف من قول موسى ( إنا هدنا إليك ) فذلك بمعنى المتاب .
وأما النصارى فهو اسم جمع نصري " بفتح فسكون " أو ناصري نسبة إلى الناصرة وهي قرية نشأت منها مريم أم المسيح عليهما السلام وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري أو النصري فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى .
A E
