ووصف المؤمنين بالموصول لتمييزهم عن غيرهم لأنهم عرفوا يومئذ بإقامة الصلاة وإعطاء الصدقات للفقراء والمساكين ألا ترى أن الله عرف الكفار بقوله ( وويل للمشركين الذي لا يؤتون الزكاة ) ولأن في الصلة إيماء إلى وجه بناء الإخبار عنهم بأنهم على هدى من ربهم ومفلحون .
والزكاة : الصدقة لأنها تزكي النفس أو تزكي المال أي تزيده بركة . والمراد بالزكاة هنا الصدقة مطلقا أو صدقة واجبة كانت على المسلمين وهي مواساة بعضهم بعضا كما دل عليه قوله في صفة المشركين ( بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ) . وأما الزكاة المقدرة بالنصب والمقادير الواجبة على أموال الأغنياء فإنها فرضت بعد الهجرة فليست مرادا هنا لأن هذه السورة مكية .
A E وجملة ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) عطف على الصلة وليست من الصلة ولذلك خولف بين أسلوبها وأسلوب الصلة فأتي له بجملة اسمية اهتماما بمضمونها لأنه باعث على فعل الخيرات وعلى أن ضمير ( هم ) الثاني يجوز أن يعتبر ضمير فصل دالا على القصر أي ما يوقن بالآخرة إلا هؤلاء .
والقصر إضافي بالنسبة إلى مجاوريهم من المشركين وإلا فإن أهل الكتاب يوقنون بالآخرة إلا أنهم غير مقصود حالهم للمخاطبين من الفريقين . وتقديم ( بالآخرة ) للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بها .
( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون [ 4 ] ) .
لا محالة يثير كون الكتاب المبين هدى وبشرى للذين يوقنون بالآخرة سؤالا في نفس السامع عن حال أضدادهم الذين لا يوقنون بالآخرة لماذا لا يهتدون بهدي هذا الكتاب البالغ حدا عظيما في التبين والوضوح . فلا جرم أن يصلح المقام للإخبار عما صرف هؤلاء الأضداد عن الإيمان بالحياة الآخرة فوقع هذا الاستئناف البياني لبيان سبب استمرارهم على ضلالهم . ذلك بأن الله يعلم خبث نواياهم فحرمهم التوفيق ولم يصرف إليهم عناية تنشلهم من كيد الشيطان لحكمة علمها الله من حال ما جلبت عليه نفوسهم فوقع هذا الاستئناف بتوابعه موقع الاعتراض بين أخبار التنويه بالقرآن بما سبق والتنويه به بمن أنزل عليه بقوله ( وإنك لتلقى القرآن ) .
وتأكيد الخبر بحرف التوكيد للاهتمام به لأنه بحيث يلتبس على الناس سبب افتراق الناس في تلقي الهدى بين مبادر ومتقاعس ومصر على الاستمرار في الضلال . ومجيء المسند إليه موصولا يومئ إلى أن الصلة علة في المسند .
وتزيين تلك الأعمال لهم : تصورهم إياها في نفوسهم زينا وإسناد التزيين إلى الله تعالى يرجع إلى أمر التكوين أي خلقت نفوسهم وعقولهم قابلة للانفعال وقبول ما تراه من مساوي الاعتقادات والأعمال التي اعتادوها فإضافة أعمال إلى ضمير الذي لا يؤمنون بالآخرة يقتضي أن تلك الأعمال هي أعمال الإشراك الظاهرة والباطنة فهم لإلفهم إياها وتصلبهم فيها صاروا غير قابلين لهدي هذا الكتاب الذي جاءتهم آياته .
وقد أشارت الآية إلى معنى دقيق جدا وهو أن تفاوت الناس في قبول الخير كائن بمقدار رسوخ ضد الخير في نفوسهم وتعليق فطرتهم به . وذلك من جراء ما طرأ على سلامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها من التطور إلى الفساد كما أشار إليه قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية . فمبادرة أبي بكر Bه إلى الإيمان بالنبي A أمارة على أن الله فطره بنفس وعقل بريئين من التعلق بالشر مشتاقين إلى الخير حتى إذا لاح لهما تقبلاه . وهذا معنى قول أبي الحسن الأشعري " ما زال أبو بكر بعين الرضى من الرحمان " .
وقد أومأ جعل صلة الموصول مضارعا إلى أن الحكم منوط بالاستمرار على عدم الإيمان وأومأ جعل الخبر ماضيا في قوله ( زينا ) إلى أن هذا التزيين حكم سبق وتقرر من قبل وحسبك أنه من آثار التكوين بحسب ما طرأ على النفوس من الأطوار