والاهتزاز : الاضطراب وهو افتعال من الهز وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هاز يهزها . والجان : ذكر الحيات وهو شديد الاهتزاز وجمعه جنان ( وأما الجان بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جن ) . والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحياة خفيفة التحرك وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية ( فإذا هي ثعبان مبين ) فذلك لضخامة الجرم .
والتولي : الرجوع عن السير في طريقه . وفعل ( تولى ) مرادف فعل ( ولى ) كما هو ظاهر صنيع القاموس وإن كان مقتضى ما في فعل ( تولى ) من زيادة المبنى أن يفيد ( تولى ) زيادة في معنى الفعل . وقد قال تعالى ( ثم تولى إلى الظل ) في سورة القصص . ولعل قصد إفادة قوة توليه لما رأى عصاه تهتز هو الداعي لتأكيد فعل ( ولى ) بقوله ( مدبرا ولم يعقب ) فتأمل .
والإدبار : التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله ( مدبرا ) حال لازمة لفعل ( ولى ) .
والتعقب : الرجوع بعد الانصراف مشتق من العقب لأنه رجوع إلى جهة العقب أي الخلف فقوله ( ولم يعقب ) تأكيد لشدة توليه أي ولى توليا قويا لا تردد فيه . وكان ذلك التولي منه لتغلب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله ( أنا الله العزيز ) من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد إذ كانت القوة الواهمة متأصلة في الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة وتأصل القوة الواهمة يزول بالتخلق وبمحاربة العقل للوهم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوهم بتعاقب الأيام .
A E وقوله ( يا موسى لا تخف ) مقول قول محذوف أي قلنا له . والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف لأن خوفه قد حصل . والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذنب فالمعنى : لايجبن لدي المرسلون لأني أحفظهم .
و ( إني لا يخاف لدي المرسلون ) تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه . وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ علل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى .
ومعنى ( لدي ) في حضرتي أي حين تلقي رسالتي . وحقيقة ( لدي ) مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان .
وإذ قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعا لما سبقه من الوحي وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رباطة الجأش . وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة : مثلك لا يبخل . والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) .
والاستثناء في قوله ( إلا من ظلم ) ظاهره أنه متصل . ونسب ابن عطية هذا إلى مقاتل وابن جريج فيكون ( من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ) مستثنى من عموم الخوف الواقع فعله في حيز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف العقاب على الذنب أي إلا رسولا ظلم أي فرط منه ظلم أي ذنب قبل اصطفائه للرسالة أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثله في متعارف شرائع البشر المتقرر أنها عدل بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل الاستقامة أنه عدل ( قبل أن يكون الرسول متعبدا بشرع ) فهو يخاف أن يؤاخذه الله به ويجازيه على ارتكابه وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم واعتداء موسى على القبطي بالقتل دون معرفة المحقق في تلك القضية ؛ فذلك الذي ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له .
والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن الله غفر له ما كان فرط فيه وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالب العموم تعميما للفائدة