وتنكير ( علما ) للتعظيم لأنه علم بنبوءة وحكمة كقوله في صاحب موسى ( وعلمناه من لدنا علما ) .
وفي فعل ( آتينا ) ما يؤذن بأنه علم مفاض من عند الله لأن الإيتاء أخص من ( علمناه ) فلذلك استغني هنا عن كلمة ( من لدنا ) .
وحكاية قولهما ( الحمد لله الذي فضلنا ) كناية عن تفضيلهما بفضائل غير العلم . ألا ترى إلى قوله ( على كثير من عباده المؤمنين ) ومنهم أهل العلم وغيرهم وتنويه بأنهما شاكران نعمته .
ولأجل ذلك عطف قولهما هذا بالواو دون الفاء لأنه ليس حمدا لمجرد الشكر على إيتاء العلم .
والظاهر أن حكاية قوليهما وقعت بالمعنى بأن قال كل واحد منهما : الحمد لله الذي فضلني فلما حكي القولان جمع ضمير المتكلم . ويجوز أن يكون كل واحد شكر لله على منحه ومنح قريبه على أنه يكثر استعمال ضمير المتكلم المشارك لا لقصد التعظيم بل لإخفاء المتكلم نفسه بقدر الإمكان تواضعا كما قال سليمان عقب هذا ( علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) . وجعلا تفضيلهما على كثير من المؤمنين دون جميع المؤمنين ؛ أما لأنهما أرادا بالعباد المؤمنين كل من ثبت له هذا الوصف من الماضين وفيهم موسى وهارون وكثير من الأفضل والمساوي وإما لأنهما اقتصدا في العبارة إذ لم يحيطا بمن ناله التفضيل وأما لأنهما أرادا بالعباد أهل عصرهما فعبرا ب ( كثير من عباده ) تواضعا لله . ثم إن كان قولهما هذا جهرا وهو الظاهر كان حجة على أنه يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يحذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة والجعجعة الجالبة وهذا حكم يستنبط من الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا وإن قالاه في سرهما لم يكن في هذه الحجة .
( وورث سليمان داود ) .
طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفا . وقد كان داود ملكا على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن سبعين سنة .
A E فخلفه سليمان فهو وارث ملكه القائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم . فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا ) فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه .
وقد كان لداود أحد عشر ولدا فلا يختص إرث ماله بسليمان وليس هو أكبرهم وكان داود قد أقام سليمان ملكا على إسرائيل . وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به أن يورث مال النبي وقد قال رسول الله A ( لا نورث ما تركناه صدقة ) وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء : إنا أو نحن معاشر الأنبياء لا نورث ولا يعرف بهذا اللفظ ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي A قال عمر " أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله نفسه " وكذلك قالت عائشة فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكما في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر . وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك خلافا للعباس وعلي ثم رجعا حين حاجهما عمر . والعلة هي سد ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته .
( وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين [ 16 ] )