وضمير ( علمنا ) و ( أتينا ) مراد به نفسه جاء به على صيغة المتكلم المشارك ؛ إما لقصد التواضع كأن جماعة علموا وأوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفا ( وقالا الحمد لله الذي فضلنا ) وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عمر Bهما حين لقيه في جند ( وأبهة ) ببلاد الشام فقال عمر أمعاوية " أكسروية يا معاوية ؟ فقال معاوية : إنا في بلاد من ثغور العدو فلا يرهبون إلا مثل هذا . فقال عمر : خدعة أريب أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا أنهاك " فترك الأمر لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام .
والمراد ب ( كل شيء ) كل شيء من الأشياء المهمة ففي ( كل شيء ) عمومان عموم ( كل ) وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي ف ( كل ) مستعملة في الكثرة و ( شيء ) مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد ( وأوتيت من كل شيء ) أي كثير من النفائس والأموال . وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه .
والتأكيد في ( إن هذا لهو الفضل المبين ) بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة .
و ( الفضل ) : الزيادة من الخير والنفع . و ( المبين ) : الظاهر الواضح .
( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون [ 17 ] ) .
وهب الله سليمان قوة من قوى النبوءة يدرك بها من أحوال الأرواح والمجردات كما يدرك منطق الطير ودلالة النمل ونحوها . ويزع تلك الموجودات بها فيوزعون تسخيرا كما سخر بعض العناصر لبعض في الكيمياء والكهربائية . وقد وهب الله هذه القوة محمد A فصرف إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن ويخاطبونه . وإنما أمسك رسول الله عن أن يتصرف فيها ويزعها كرامة لأخيه سليمان إذ سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فلم يتصرف فيها النبي A مع المكنة من ذلك لأن الله محضه لما هو أهم وأعلى فنال بذلك فضلا مثل فضل سليمان ورجح بإعراضه عن التصرف تبريرا لدعوة أخيه في النبوة لأن جانب النبوة في رسول الله أقوى من جانب الملك كما قال للرجل الذي رعد حين مثل بين يديه " أني لست بملك ولا جبار " . وقد ورد في الحديث : " أنه خير بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار ان يكون نبيا عبدا " فرتبة رسول الله A رتبة التشريع وهي أعظم من رتبة الملك وسليمان لم يكن مشرعا لأنه ليس برسول فوهبه الله ملكا يتصرف به في السياسة وهذه المراتب يندرج بعضها فيما هو أعلى منه فهو ليس بملك وهو يتصرف في الأمة تصرف الملوك تصرفا بريئا مما يقتضيه الملك من الزخرف والأبهة كما بيناه في كتاب النقد على كتاب الشيخ علي عبد الرازق المصري الذي سماه " الإسلام وأصول الحكم " .
والحشر : الجمع . والمعنى : أن جنوده كانت محضرة في حضرته مسخرة لأمره حين هو .
والجنود : جمع جند وهو الطائفة التي لها عمل متحد تسخر له . وغلب إطلاق الجند على طائفة من الناس يعدها الملك لقتال العدو ولحراسة البلاد .
A E وقوله ( من الجن والإنس والطير ) بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف : صنف الجن وهو لتوجيه القوى الخفية والتأثير في الأمور الروحية . وصنف الإنس وهو جنود تنفيذ أوامره ومحاربة العدو وحراسة المملكة وصنف الطير وهو من تمام الجند لتوجيه الإخبار وتلقيها وتوجيه الرسائل إلى قواده وأمرائه . واقتصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود فلذلك لم يذكر الخيل وهي من الجيش .
والوزع : الكف عما لا يراد فشمل الأمر والنهي أي فهم يؤمرون فيأتمرون وينهون فينتهون فقد سخر الله له الرعية كلها .
والفاء للتفريع على معنى حشر لأن الحشر إنما يراد لذلك .
وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير
