فمعنى قوله ( أوزعني ) ألهمني وأغرني . و ( أن أشكر نعمتك ) منصوب بنزع الخافض وهو الباء . والمعنى : اجعلني ملازما شكر نعمتك . وإنما سأل الله الدوام على شكر النعمة لما في الشكر من الثواب ومن ازدياد النعم فقد ورد : النعمة وحشية قيدوها بالشكر فإنها إذا شكرت قرت . وإذا كفرت فرت . ومن كلام الشيخ ابن عطاء الله : " من لم يشكر النعمة فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها " . وفي الكشاف عند قوله ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) وفي كلام بعض المتقدمين " أن كفران النعم بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا " .
وأدرج سليمان ذكر والديه عند ذكر إنعام الله تعالى عليه لأن صلاح الولد نعمة على الوالدين بما يدخل عليهما من مسرة في الدنيا وما ينالهما من دعائه وصدقاته عنهما من الثواب .
ووالداه هما أبوه داود بن يسي وأمه " بثشبع ) " بنت " اليعام " وهي التي كانت زوجة " أوريا " الحثي فاصطفاه داود لنفسه وهي التي جاءت فيها قصة نبأ الخصم المذكور في سورة ص .
( وأن أعمل ) عطف على ( أن أشكر ) . والإدخال في العباد الصالحين مستعار لجعله واحدا منهم فشبه لإلحاقه بهم في الصلاح بإدخاله عليهم في زمرتهم وسؤاله ذلك مراد به الاستمرار والزيادة من رفع الدرجات لأن لعباد الله الصالحين مراتب كثيرة .
( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين [ 20 ] لأعذبنه شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين [ 21 ] ) .
صيغة التفعل تدل على التكلف والتكلف : الطلب . واشتقاق ( تفقد ) من الفقد يقتضي أن ( تفقد ) بمعنى طلب الفقد . ولكنهم توسعوا فيه فأطلقوه على طلب معرفة سبب الفقد أي معرفة ما أحدثه الفقد في شيء فالتفقد : البحث عن الفقد ليعرف بذلك أن الشيء لم ينقص وكان الطير من جملة الجند لأن كثيرا من الطير صالح للانتفاع به في أمور الجند فمنه الحمام الزاجل ومنه الهدهد أيضا لمعرفة الماء ومنه البزاة والصقور لصيد الملك وجنده ولجلب الطعام للجند من الصيد إذا حل الجند في القفار أو نفذ الزاد . وللطير جنود يقومون بشؤونها . وتفقد الجند من شعار الملك والأمراء وهو من مقاصد حشر الجنود وتسييرها . والمعنى : تفقد الطير في جملة ما تفقده فقال لمن يلون أمر الطير : ما لي لا أرى الهدهد .
ومن واجبات ولاة الأمور تفقد أحوال الرعية وتفقد العمال ونحوهم بنفسه كما فعل عمر في خروجه إلى الشام سنة سبع عشرة هجرية أو بمن يكل إليه ذلك فقد جعل عمر محمد بن مسلمة الأنصاري يتفقد العمال .
والهدهد : نوع من الطير وهو ما يقرقر وفي رائحته نتن وفوق رأسه قزعة سوداء وهو أسود البراثن أصفر الأجفان يقتات الحبوب والدود يرى الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض فإذا رفرف على موضع علم أن به ماء وهذا سبب اتخاذه في جند سليمان . قال الجاحظ : يزعمون أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها .
وقوله ( ما لي لا أرى الهدهد ) استفهام عن شيء حصل له في حال عدم رؤيته الهدهد ف ( ما ) استفهام . واللام من قوله ( لي ) للاختصاص . والمجرور باللام خبر عن ( ما ) الاستفهامية . والتقدير : ما الأمر الذي كان لي .
وجملة ( لا أرى الهدهد ) في موضع الحال من ياء المتكلم المجرور باللام فالاستفهام عما حصل له في هذه الحال أي عن المانع لرؤية الهدهد . والكلام موجه إلى خفرائه . يعني : أكان انتفاء رؤيتي الهدهد من عدم إحاطة نظري أم من اختفاء الهدهد ؟ فالاستفهام حقيقي وهو كناية عن عدم ظهور الهدهد .
و ( أم ) منقطعة لأنها تقع بعد همزة الاستفهام التي يطلب بها تعيين أحد الشيئين . و ( أم ) لا يفارقها تقدير معنى الاستفهام بعدها فأفادت هنا إضراب الانتقال من استفهام إلى استفهام آخر . والتقدير : بل أكان من الغائبين ؟ وليست ( أم ) المنقطعة خاصة بالوقوع بعد الخبر بل كما تقع بعد الخبر تقع بعد الاستفهام .
A E
