ومن العلماء من يقول إنهم يقولون بعدم الحاجة إلى بعثة الرسل وأنهم يعللون ذلك بأن مدعي الرسالة من البشر فلا يمكن لهم أن يكونوا واسطة بين الناس والخالق . ومن العلماء من ينقل عنهم أنهم يدعون أنهم على دين نوح . وهم يقولون إن المعلمين الأولين لدين الصابئة هما أغاثا ديمون وهرمس وهما شيث بن آدم . وإدريس وهم يأخذون من كلام الحكماء ما فيه عون على الكمال فلذلك يكثر في كلامهم المماثلة لأقوال حكماء اليونان وخاصة سولون وإفلاطون وإرسطاطاليس " ولا يبعد عندي أن يكون أولئك الحكماء اقتبسوا بعض الآراء من قدماء الصابئة في العراق فإن ثمة تشابها بينهم في عبادة الكواكب وجعلها آلهة وفي إثبات إلاه الآلهة " .
وقد بنوا هياكل للكواكب لتكون مهابط لأرواح الكواكب وحرصوا على تطهيرها وتطييبها لكي تألفها الروحانيات وقد يجعلون للكواكب تماثيل من الصور يتوخون فيها محاكاة صور الروحانيات بحسب ظنهم .
ومن دينهم صلوات ثلاث في كل يوم وقبلتهم نحو مهب ريح الشمال ويتطهرون قبل الصلاة وقراآتهم ودعواتهم تسمى الزمزمة بزايين كما ورد في ترجمة أبي إسحاق الصابئ .
ولهم صيام ثلاثين يوما في السنة موزعة على ثلاثة مواقيت من العام .
ويجب غسل الجنابة وغسل المرأة الحائض .
وتحرم العزوبة ويجوز للرجل تزوج ما شاء من النساء ولا يتزوج إلا امرأة صابئة على دينه فإذا تزوج غير صابئة أو تزوجت الصابئة غير صابئ خرجا من الدين ولا تقبل منهما توبة .
ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويدفنونهم في الأرض . ولهم رئيس للدين يسمونه الكمر " بكاف وميم وراء " .
وقد اشتهر هذا الدين في حران من بلاد الجزيرة ولذلك تعرف الصابئة في كتب العقائد الإسلامية بالحرنانية " بنونين نسبة إلى حران على غير قياس كما في القاموس " . قال ابن حزم في كتاب الفصل : كان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله إبراهيم عليه السلام بالحنيفية اه .
ودين الصابئة كان معروفا للعرب في الجاهلية بسبب جوار بلاد الصابئة في العراق والشام لمنازل بعض قبائل العرب مثل ديار بكر وبلاد الأنباط المجاورة لبلاد تغلب وقضاعة .
ألا ترى أنه لما بعث محمد A وصفه المشركون بالصابئ وربما دعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أم النبي A كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبي ورث ذلك منه وكذبوا . وفي حديث عمران ابن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي A ونفد ماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها انطلقي إلى رسول الله فقالت الذي يقال له الصابئ قالوا هو الذي تعنين . وساق حديث تكثير الماء .
وكانوا يسمون المسلمين الصباة كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبي A إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمرا فنزل على أمية بمكة وقال لأمية انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال سعد فقال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة .
وفي حديث غزوة خالد بن الوليد إلى جذيمة أنه عرض عليهم الإسلام أو السيف فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا الحديث .
وقد قيل إن قوما من تميم عبدوا نجم الدبران . وأن قوما من لخم وخزاعة عبدوا الشعري العبور وهو من كواكب برج الجوزاء في دائرة السرطان . وأن قوما من كنانة عبدوا القمر فظن البعض أن هؤلاء كانوا صابئة وأحسب أنهم تلقفوا عبادة هذه الكواكب عن سوء تحقيق في حقائق دين الصابئة ولم يجزم الزمخشري بأن في العرب صابئة فإنه قال في الكشاف في تفسير سورة فصلت في قوله تعالى ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ) قال لعل ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فنهوا عن ذلك .
A E