ويجوز أن يكون المصدر المسبوك من ( ألا يسجدوا ) بدل بعض من ( أعمالهم ) وما بينهما اعتراض .
A E وجوز أن يكون ( ألا ) كلمة واحدة بمعنى ( هلا ) فإن هاءها تبدل همزة . وجعل ( يسجدوا ) مركبا من ياء النداء المستعملة تأكيدا للتنبيه وفعل أمر من السجود كقول ذي الرمة : .
" ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال إنه رسم كذلك على خلاف القياس . وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها ( ألا ) حرف الاستفتاح ويتعين أن يكون ( يسجدوا ) مركبا من ياء النداء وفعل الأمر كما تقدم وفيه ما تقدم . والوقف في هذه على ( ألا ) .
وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) . وإسناده هنا للشيطان حقيقي . و ( السبيل ) مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب .
والخبء : مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه . أطلق هنا على اسم المفعول أي المخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر . ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله ( الذي يخرج الخبء ) لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعا على أمر خفي . وإخراج الخبء : إبرازه للناس أي إعطاؤه أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق وهذا مؤذن بصفة القدرة . وقوله ( ويعلم ما يخفون وما يعلنون ) مؤذن بعموم صفة العلم .
وقرأ الجمهور ( يخفون . . ويعلنون ) بياء الغيبة . وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات .
ومجيء جملة ( الله لا إله إلا هو ) عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل أي ليس لغير الله شبهة إلهية .
وقوله ( رب العرش العظيم ) أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم . وفي هذا تعريض بأن عظمة ملك بلقيس وعظم عرشها ما كان حقيقا بأن يغرها بالإعراض عن عبادة الله تعالى لأن الله هو رب الملك الأعظم فتعريف ( العرش ) للدلالة على معنى الكمال . ووصفه ب ( العظيم ) للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة .
وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقا للعمل بمقتضى قوله ( ألا يسجدوا لله ) . وسواء قرىء بتشديد اللام من قوله ( ألا يسجدوا ) أم بتخفيفها لأن مآل المعنى على القراءتين واحد وهو إنكار سجودهم لغير الله لأن الله هو الحقيق بالسجود .
( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين [ 27 ] ) .
تقدم عند قوله ( فقال أحطت بما لم تحط به ) بيان وجه تطلب سليمان تحقيق صدق خبر الهدهد . والنظر هنا نظر العقل وهو التأمل ولا سيما وإقحام ( كنت ) أدخل في نسبته إلى الكذب من صيغة ( أصدقت ) لأن فعل ( كنت من الكاذبين ) يفيد الرسوخ في الوصف بأنه كائن عليه . وجملة ( من الكاذبين ) أشد في النسبة إلى الكذب بالانخراط في سلك الكاذبين بأن يكون الكذب عاده له . وفي ذلك إيذان بتوضيح تهمته بالكذب ليتخلص من العقاب وإيذان بالتوبيخ والتهديد وإدخال الروع عليه بأن كذبه أرجح عند الملك ليكون الهدهد مغلبا الخوف على الرجاء وذلك أدخل في التأديب على مثل فعلته وفي حرصه على تصديق نفسه بأن يبلغ الكتاب الذي يرسله معه .
( أذهب بكتبي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون [ 28 ] )
