فأما معنى ( أن ) المصدرية الناصبة للمضارع فلا يتضح لأنها تستدعي عاملا يكون مصدرها المنسبك بها معملا له وليس في الكلام ما يصلح لذلك لفظا مطلقا ولا معنى إلا بتعسف وقد جوزه ابن هشام في مغني اللبيب في بحث ( ألا ) الذي هو حرف تخضيض وهو وجهة شيخنا محمد النجار C بأن يجعل ( أن لا تعلوا ) الخ خبرا عن ضمير ( كتاب ) في قوله ( وإنه ) فحيث كان مضمون الكتاب النهي عن العلو جعل ( أن لا تعلوا ) نفس الكتاب كا يقع الإخبار بالمصدر . وهذا تكلف لأنه يقتضي الفصل بين أجزاء الكتاب بقوله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
A E وأما معنى المخففة من الثقيلة فكذلك لوجوب سد مصدر مسدها وكونها معمولة لعامل وليس في الكلام ما يصلح لذلك أيضا . وقد ذكر وجها ثالثا في الآية في بعض نسخ مغني اللبيب في بحث ( ألا ) أيضا ولم يوجد في النسخ الصحيحة من المغني ولا من شروحه ولعله من زيادات بعض الطلبة . وقد اقتصر في الكشاف على وجه التفسيرية لعلمه بأن غير ذلك لا ينبغي أن يفرض . وأعقبه بما روي من نسخة كتاب سليمان ليظهر أن ليس في كتاب سليمان ما يقابل حرف ( أن ) فلذلك تتعين ( أن ) لمعنى التفسيرية لضمير ( وإنه ) العائد إلى حرف ( كتاب ) كما علمته آنفا لأنه لما كان عائد إلى ( كتاب ) كان بمعنى معاده فكان مما فيه معنى القول دون حروفه فصح وقع ( أن ) بعده فيكون ( أن ) من كلام ملكة سبا فسرت بها وبما بعدها مضمون ( كتاب ) في قولها ( ألقي إلى كتاب كريم ) .
و ( ألا تعلوا علي ) يكون هو أول كتاب سليمان وإنها حكاية لكلام بلقيس . قال في الكشف يتبين أن قوله ( إنه من سليمان ) بيان لعنوان الكتاب وأن قوله ( وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) الخ بيان لمضمون الكتاب فلا يرد سؤال كيف قدم قوله ( إنه من سليمان ) على ( إنه بسم الله الرحمن الرحيم ) . ولم تزل نفسي غير منثلجة لهذه الوجوه في هذه الآية ويخطر ببالي أن أن موقع ( أن ) هذه استعمال خاص في افتتاح الكلام يعتمد عليه المتكلم في أول كلامه . وأنها المخففة من الثقيلة . وقد رأيت في بعض خطب النبي A الافتتاح ب ( أن ) في ثاني خطبة خطبها بالمدينة في سيرة ابن إسحاق . وذكر السهيلي : أن الحمد مضبوط بضمة على تقدير ضمير الأمر والشأن . ولكن كلامه جرى على أن حرف ( إن ) مكسور الهمزة مشدد النون . ويظهر لي أن الهمزة مفتوحة وأنه استعمال ل ( إن ) المخففة من الثقيلة في افتتاح الأمور المهمة وأن منه قوله تعالى ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) .
و ( ألا تعلوا علي ) نهي مستعمل في التهديد ولذلك أتبعته ملكة سبا بقولها ( يا أيها الملأ أفتوني في أمري ) .
( قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون [ 32 ] ) .
سألتهم إبداء آرائهم ماذا تعمل تجاه دعوة سليمان . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا مثل التي قبلها .
والإفتاء : الإخبار بالفتوى وهي إزالة مشكل يعرض . وقد تقدمت عند قوله تعالى ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) في سورة يوسف .
والأمر : الحال المهم وإضافته إلى ضميرها لأنها المخاطبة بكتاب سليمان ولأنها المضطلعة بما يجب إجراؤه من شؤون المملكة وعليها تبعة الخطأ في المنهج الذي تسلكه من السياسة ولذلك يقال للخليفة وللملك وللأمير ولعالم الدين : ولي الأمر . وبهذه الثلاثة فسر قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) . وقال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان : .
أولي أمر الله إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا فهذا معنى قولهم لها ( والأمر إليك ) .
وقد أفادت إضافة ( أمري ) تعريفا أي في الحادثة المعينة .
ومعنى ( قاطعة أمرا ) عاملة عملا لا تردد فيه بالعزم على ما تجيب به سليمان .
وصيغة ( كنت قاطعة ) تؤذن بأن ذلك دأبها وعادتها معهم فكانت عاقلة حكيمة مستشيرة لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تعرض ملكها لمهاوي أخطاء المستبدين .
والأمر في ( ما كنت قاطعة أمرا ) هو أيضا الحال المهم أي أنها لا تفضي في المهمات إلا عن استشارتهم
