فمعنى ( من قبلها ) إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبا لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل من عهد موسى فقد سن لهم الشريعة وأقام لهم نظام الجماعة وعلمهم أسلوب الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم والمحافل . ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان فبهذا الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ . وإن أريد ب ( من قبلها ) القبلية الاعتبارية وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق بالمعنى كان المعنى : إنا أوسع وأقوى منها علما كما قال النبي A ( نحن الأولون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) أي نحن الأولون في غايات الهدى وجعل مثلا لذلك اهتداء أهل الاسلام ليوم الجمعة فقال ( وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه ) . فكان الأرجح أن يكون معنى ( من قبلها ) أنا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه . وازادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية أي وكنا مسلمين دونها . وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم .
وصدها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون الله أي صدها معبودها من دون الله ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله ( وكنا مسلمين ) . وما كانت تعبده هو الشمس . وإسناد الصد إلى المعبود مجاز عقلي لأنه بسبب صدها عن التوحيد كقوله تعالى ( وما زادوهم غير تتبيب ) وقوله ( غر هؤلاء دينهم ) .
وفي ذكر فعل الكون مرتين في ( ما كانت تعبد ) و ( إنها كانت من قوم كافرين ) دلالة على تمكنها من عبادة الشمس وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين فالشرك منطبع في نفسها بالوراثة فالكفر قد أحاط بها بتغلغله في نفسها وبنشأتها عليه وبكونها بين قوم كافرين فمن أين يخلص إليها الهدى والإيمان .
( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير ) .
جملة ( قيل لها ادخلي الصرح ) استئناف ابتدائي لجزء من القصة . وطوي ذكر ترحلها إلى وصولها في ذكر ما يدل عليه من حلولها أمام صرح سليمان للدخول معه إليه أو الدخول عليه وهو فيه .
A E لما أراها سليمان عظمة حضارته انتقل بها حيث تشاهد أثرا بديعا من آثار الصناعة الحكيمة وهو الصرح . والصرح يطلق على صحن الدار وعرصتها . والظاهر أن صرح القصر الذي ذكر في سفر الملوك الأول في الإصحاح السابع وهو بيت وعر له بابان كا يجلس فيه سليمان للقضاء بين الناس .
والقائل لها ( ادخلي الصرح ) هم الذين كانوا في رفقتها .
والقائل ( إنه صرح ممرد من قوارير ) هو سليمان كان مصاحبا لها أو كان يترقبها وزجاج الصرح المبلط به الصرح بينهما .
وذكر الدخول يقتضي أن الصرح مكان له باب . وفي سفر الملوك الأول في الإصحاح العاشر : فلما رأت البيت الذي بناه .
وحكاية أنها حسبته لجة عندما رأته تقتضي أن ذلك بدا لها في حين دخولها فدل على ان الصرح هو أول ما بدا لها من المدخل فهو لا محالة ساحة معنية للنزهة فرشت بزجاج شفاف وأجري تحته الماء حتى يخاله الناظر لجة ماء . وهذا من بديع الصناعة التي اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء .
وقرأ قنبل عن ابن كثير ( عن سأقيها ) بهمزة ساكنة بعد السين عوضا عن الألف على لغة من يهمز حرف المد إذا وقع وسط الكلمة . ومنه قول جرير : .
لحب المؤقدان إلي مؤسى ... وجعدة إذ أضاءهما الوقود فهمز المؤقدان ومؤسى .
وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء . فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها . وقد قيل : إنها كانت لا تلبس الخفين . والممرد : المملس .
والقوارير : جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قر في قعر الإناء من نفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها . فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقر في قعره وجمعت على قوارير ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج فالقوارير من أسماء الزجاج قال بشار :
