ومعنى التطير : التشاؤم . أطلق عليه التطير لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سانح وبارح . وكان التطير من أوهام العرب وثمود من العرب فقولهم المحكي في هذه الآية حكي به مماثلة من كلامهم ولا يريدون التطير الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم ( بك وبمن معك ) في سورة الأعراف . وتقدم معنى الشؤم هنالك .
وأجاب صالح كلامهم بأنه ومن معه ليسوا شؤم ولكن سبب ش } مهم وحلول المضار بهم هو قدرة الله .
واستعير لما حل بهم اسم الطائر مشاكلة لقولهم ( اطيرنا بك وبمن معك ) ومخاطبة لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم بقرينة قولهم ( اطيرنا بك ) .
و ( عند ) للمكان المجازي مستعارا لتحقق شأن من شؤون الله به يقدر الخير والشر وهو تصرف الله وقدره . وقد تقدم نظيره في الأعراف .
وأضرب ب ( بل ) عن مضمون قولهم ( اطيرنا بك وبمن معك ) بأن لا شؤم بسببه هو وبسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة بإلقاء الاعتقاد بصحة ذلك في قلوبهم .
وصيغ الإخبار عنهم بأنهم مفتونون بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم بذلك . وصيغ المسند فعلا مضارعا لدلالته على تجدد الفتون واستمراره .
وغلب جانب الخطاب في قوله ( تفتنون ) على جانب الغيبة مع أن كليهما مقتضى الظاهر ترجيحا لجانب الخطاب لأنه أدل من الغيبة .
( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون [ 48 ] قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون [ 49 ] ) .
عطف جزء القصة على جزء منها . والمدينة : هي حجر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال . وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشام وقد مر بها النبي A والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آبارا نهاهم النبي عن الشرب والوضوء منها إلا بئرا واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال : " أنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح " .
والرهط : العدد من الناس حوالي العشرة وهو مثل النفر . وإضافة تسعة إليه من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي مثل : خمس ذود . واختلف أئمة النحو في القياس عليها ومذهب سيبويه والأخفش أنها سماعية .
A E وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم واختلف في أسمائهم على روايات هي من أوضاع القصاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد . وأشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه ( قدار ) بضم الميم وتخفيف الدال وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه .
و ( الأرض ) : أرض ثمود فالتعريف للعهد .
وعطف ( ولا يصلحون ) على ( يفسدون ) احتراس للدلالة على أنهم تمحضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساد بإصلاح .
وجملة ( قالوا ) صفة ل ( تسعة ) أو خبر ثان ل ( كان ) أو هو الخبر ل ( كان ) . وفي ( المدينة ) متعلق ب ( كان ) ظرفا لغوا ولا يحسن جعل الجملة استئنافا لأنها المقصود من القصة . والمعنى : قال بعضهم لبعض .
و ( تقاسموا ) فعل أمر أي قال بعضهم : تقاسموا أي ابتدأ بعضهم فقال : تقاسموا . وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله ( لنبيتنه ) . فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلا ذلك فلذك أسند القول إلى التسعة .
والقسم بالله يدل على أنهم يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مر من السور .
و ( لنبيتنه ) جواب القسم والضمير عائد إلى صالح . والتبييت والبيات : مباغتة العدو ليلا . وعكسه التصبيح : الغارة في الصباح وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح ولذلك يقول من ينذر قوما بحلول العدو ( يا صباحاه ) فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدر . والمعنى : أنهم يغيرون على بيته ليلا فيقتلونه وأهله غدرا من حيث لا يعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم