ويقرب عندي أن يكون المسلمون ودوا أن تفصل لهم قصة رسالة موسى عليه السلام فكان المقصود انتفاعهم بما في تفاصيله من معرفة نافعة لهم تنظيرا لحالهم وحال أعدائهم . فالمقصود ابتداء هم المسلمون ولذلك قال تعالى في أولها ( نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ) أي للمؤمنين .
( طسم [ 1 ] ) تقدم القول في نظيره في فاتحة سورة الشعراء .
( تلك آيات الكتاب المبين [ 2 ] نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون [ 3 ] ) A E الإشارة في قوله ( تلك آيات الكتاب المبين ) على نحو الإشارة في نظيره في سورة الشعراء . فالمشار إليه ما هو مقرؤ يوم نزول هذه الآية من القرآن تنويها بشأن القرآن وأنه شأن عظيم .
وجملة ( نتلو عليك من نبأ موسى ) مستأنفة استئنافا ابتدائيا .
ومهد لنبأ موسى وفرعون بقوله ( نتلو عليك ) للتشويق لهذا النبأ لما فيه من شتى العبر بعظيم تصرف الله في خلقه .
والتلاوة : القراءة لكلام مكتوب أو محفوظ كما قال تعالى ( وأن أتلو القرآن ) وهو يتعدى إلى من تبلغ إليه التلاوة بحرف ( على ) وتقدمت عند قوله ( واتبعوا ما تتلو الشياطين ) في البقرة وقوله ( وإذا تليت عليهم آياته ) في سورة الأنفال .
وإسناد التلاوة إلى الله إسناد مجازي لأنه الذي يأمر بتلاوة ما يوحى إليه من الكلام والذي يتلو حقيقة هو جبريل بأمر من الله وهذا كقوله تعالى ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) في سورة البقرة .
وجعلت التلاوة على النبي A لأنه الذي يتلقى ذلك المتلو . وعبر عن هذا الخبر بالنبإ لإفادة أنه خبر ذو شأن وأهمية .
واللام في ( لقوم يؤمنون ) لام التعليل أي نتلو عليك لأجل قوم يؤمنون فكانت الغاية من تلاوة النبأ على النبي A هي أن ينتفع بذلك قوم يؤمنون فالنبي يبلغ ذلك للمؤمنين فإن كان فريق من المؤمنين سألوا أو تشوفوا إلى تفصيل ما جاء من قصة موسى وفرعون في سورة الشعراء وسورة النمل وهو الظاهر فتخصيصهم بالتعليل واضح وانتفاع النبي A بذلك معهم أجدر وأقوى فلذلك لم يتعرض له بالذكر اجتزاء بدلالة الفحوى لأن المقام لإفادة من سأل وغيرهم غير ملتفت إليه في هذا المقام .
وإن لم يكن نزول هذه القصة عن تشوف من المسلمين فتخصيص المؤمنين بالتلاوة لأجلهم تنويه بأنهم الذين ينتفعون بالعبر والمواعظ لأنهم بإيمانهم أصبحوا متطلبين للعلم والحكمة متشوفين لأمثال هذه القصص النافعة ليزدادوا بذلك يقينا .
وحصول ازدياد العلم للنبي A بذلك معلوم من كونه هو المتلقي والمبلغ ليتذكر من ذلك ما علمه من قبل ويزداد علما بما عسا أن لا يكون قد علمه وفي ذلك تثبيت فؤاده كما قال تعالى ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) .
فالمراد بقوم يؤمنون قوم الإيمان شأنهم وسجيتهم . وللإشارة إلى معنى تمكن الإيمان من نفوسهم أجري وصف الإيمان على كلمة ( قوم ) ليفيد أن كونهم مؤمنين هو من مقومات قوميتهم كما قدمناه غير مرة . فالمراد : المتلبسون بالإيمان . وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أن إيمانهم موجود في الحال ومستمر متجدد .
وفي هذا إعراض عن العبء بالمشركين في سوق هذه القصة بما يقصد فيها من العبرة والموعظة فإنهم لم ينتفعوا بذلك وإنما انتفع بها من آمن ومن سيؤمن بعد سماعها .
والباء في قوله ( بالحق ) للملابسة وهو حال من ضمير ( نتلوا ) أو صفة للتلاوة المستفادة من ( نتلوا ) .
والحق : الصدق لأن حق إذ الحق هو ما يحق له أن يثبت عند أهل العقول السليمة والأديان القويمة .
ومفعول ( نتلوا ) محذوف دل عليه صفته وهي ( من نبإ موسى وفرعون ) . فالتقدير : نتلو عليك كلاما من نبأ موسى وفرعون .
و ( من ) تبعيضية فإن المتلو في هذه السورة بعض قصة موسى وفرعون في الواقع ألا ترى أنه قد ذكرت في القرآن أشياء من قصة موسى لم تذكر هنا مثل ذكر آية الطوفان والجراد .
وجعل الزمخشري ( من ) اسما بمعنى ( بعض ) فجعلها مفعول ( نتلوا ) . وجعل الأخفش ( من ) زائدة لأنه يرى أن ( من ) تزاد في الإثبات فجعل ( نبإ موسى ) هو المفعول جر بحرف الجر الزائدة .
والنبأ : الخبر المهم العظيم
