قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا A E حتى قال بعض الفقهاء بحرمة أكل الفيل ونحوه بناء على احتمال أن أصله نسل آدمي قال ابن الحاجب " وأما ما يذكر أنه ممسوخ كالفيل والقرد والضب ففي المذهب الجواز لعموم الآية والتحريم لما يذكر " أي لعموم آية المأكولات وصحح صاحب التوضيح عن مالك الجواز وقد روى مسلم في أحاديث متفرقة من آخر صحيحه عن أبي هريرة أن النبي A قال فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته اه . وقد تأوله ابن عطية وابن رشد في البيان وغير واحد من العلماء بأن هذا قاله النبي A عن اجتهاد قبل أن يوقفه الله على أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولا يتناسل كما هو صريح حديث ابن مسعود قلت يؤيد هذا أنه قاله عن اجتهاد قوله " ولا أراها " . ولا شك أن هاته الأنواع من الحيوان موجودة قبل المسخ وأن المسخ إليها دليل على وجودها ومعرفة الناس بها .
وهذا الأمر التكويني كان لأجل العقوبة على ما اجترأوا من الاستخفاف بالأمر الإلهي حتى تحيلوا عليه وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة على الله تعالى ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل بقوله تعالى في قصة أيوب ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبي لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى فلا فوات للحكمة في ذلك ومسألة الحيل الشرعية لعلنا نتعرض لها في سورة ص وفيها تمحيص .
وقوله ( فجعلناها نكالا ) عاد فيه الضمير على العقوبة المستفادة من قوله ( فقلنا لهم كونوا قردة ) . والنكال بفتح النون العقاب الشديد الذي يردع المعاقب عن العود للجناية ويردع غيره عن ارتكاب مثلها وهو مشتق من نكل إذا امتنع ويقال نكل به تنكيلا ونكالا بمعنى عاقبه بما يمنعه من العود . والمراد بما بين يديها وما خلفها ما قارنها من معاصيهم وما سبق يعني أن تلك الفعلة كانت آخر ما فعلوه فنزلت العقوبة عندها ولما بين يديها من الأمم القريبة منها ولما خلفها من الأمم البعيدة . والموعظة ما به الوعظ وهو الترهيب من الشر .
( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [ 67 ] ) تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الإمتثال وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه . قيل إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) الآيات وإن قول موسى ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) ناشيء عن قتل النفس المذكورة وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا والإعنات في المسألة فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم هكذا ذكر صاحب الكشاف والموجهون لكلامه ولا يخفي أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله ( وإذ ) مع بقاء الترتيب على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بنحو قوله ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين - وقوله - وما كادوا يفعلون ) .
A E