وجملة ( وما كادوا يفعلون ) تحتمل الحال والاستئناف والأول أظهر لأنه أشد ربطا للجملة وذلك أصل الجمل أي ذبحوها في حال تقرب من حال من لا يفعل والمعنى أنهم ذبحوها مكرهين أو كالمكرهين لما أظهروا من المماطلة وبذلك يكون وقت الذبح ووقت الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتا متحدا اتحادا عرفيا بحسب المقامات الخطابية للإشارة إلى أن مماطلتهم قارنت أول أزمنة الذبح . وعلى الاستئناف يصح اختلاف الزمنين أي فذبحوها عند ذلك أي عند إتمام الصفات وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل ثم إن ( ما كادوا يفعلون ) يقتضي بحسب الوضع نفي مدلول كاد فإن مدلولها المقاربة ونفي مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى فيقال أنى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله ( فذبحوها ) فأما على وجه الاستئناف فيمكن الجواب بأن نفي مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرروا السؤال وأظهروا المطال ثم وقع الذبح بعد ذلك وقد أجاب بمثل هذا جماعة يعنون كأن الفعل وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه على أنه مبني على جعل الواو استئنافا وقد علمتم بعده . فالوجه القالع للإشكال هو أن أئمة العربية قد اختلفوا في مفاد كاد المنفية في نحو ما كاد يفعل فذهب قوم منهم الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى فيكون إثبات كاد نفيا لوقوع الخبر الذي في قولك كاد يقوم أي قارب فإنه لا يقال إلا إذا قارب ولم يفعل ونفيها نفيا للفعل بطريق فحوى الخطاب فهو كالمنطوق وأن ما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين ومنه قوله تعالى ( وما كادوا يفعلون ) في هذه الآية أي فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك ولعلهم يجعلون الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمانين وإلى هذا ذهب ابن مالك في الكافية إذ قال : .
وبثبوت كاد ينفي الخبر ... وحين ينفى كاد ذاك أجدر .
وغير ذا على كلامين يرد ... كولدت هند ولم تكد تلد وهذا المذهب وقوف مع قياس الوضع . وذهب قوم إلى أن إثبات كاد يستلزم نفي الخبر على الوجه الذي قررناه في تقرير المذهب الأول وأن نفيها يصير إثباتا على خلاف القياس وقد اشتهر هذا بين أهل الأعراب حتى ألغز فيه أبو العلاء المعري بقوله : .
أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... أتت في لساني جرهم وثمود .
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود وقد احتجوا لذلك بقوله تعالى ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) وهذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي . وقد جرت في هذا نادرة أدبية ذكرها الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز وهي أن عنبسة العنسي الشاعر قال : قدم ذو الرمة الكوفة فوقف على ناقته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية التي أولها : .
أمنزلتي مي سلام عليكما ... على النأي والنائي يود وينصح حتى بلغ قوله فيها : .
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح A E وكان في الحاضرين ابن شبرمة فناداه ابن شبرمة يا غيلان أراه قد برح قال فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال " لم أجد " عوض " لم يكد " قال عنبسة فلما انصرفت حدثت أبي فقال لي أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة إنما هذا كقول الله تعالى ( ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ) وإنما هو لم يرها ولم يكد
