وسبب نزولها ما رواه الترمذي عن ابن عباس والواحدي وغير واحد : أنه لما تحارب الفرس والروم الحرب التي سنذكرها عند قوله تعالى ( غلبت الروم في أدنى الأرض ) وتغلب الفرس على الروم كان المشركون من أهل مكة فرحين بغلب الفرس على الروم لأن الفرس كانوا مشركين ولم يكونوا أهل كتاب فكان حالهم أقرب إلى حال قريش ولأن عرب الحجاز والعراق كانوا من أنصار الفرس وكان عرب الشام من أنصار الروم فأظهرت قريش التطاول على المسلمين بذلك فأنزل الله هذه السورة مقتا لهم وإبطالا لتطاولهم بأن الله سينصر الروم على الفرس بعد سنين . فلذلك لما نزلت الآيات الأولى من هذه السورة خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة ( ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) وراهن أبو بكر المشركين على ذلك كما سيأتي .
أغراض هذه السورة .
أول أغراض هذه السورة سبب نزولها على ما سر المشركين من تغلب الفرس على الروم فقمع الله تعالى تطاول المشركين به وتحداهم بأن العاقبة للروم في الغلب على الفرس بعد سنين قليلة .
ثم تطرق من ذلك إلى تجهيل المشركين بأنهم لا تغوص أفهامهم في الاعتبار بالأحداث ولا في أسباب نهوض وانحدار الأمم من الجانب الرباني ومن ذلك إهمالهم النظر في الحياة الثانية ولم يتعظوا بهلاك الأمم السالفة المماثلة لهم في الإشراك بالله وانتقل من ذلك إلى ذكر البعث .
واستدل لذلك ولوحدانيته تعالى بدلائل من آيات الله في تكوين نظام العالم ونظام حياة الإنسان .
ثم حض النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين على التمسك بهذا الدين وأثنى عليه .
ونظر بين الفضائل التي يدعو إليها الإسلام وبين حال المشركين ورذائلهم وضرب أمثالا لإحياء مختلف الأموات بعد زوال الحياة عنها ولإحياء الأمم بعد يأس الناس منها وأمثالا لحدوث القوة بعد الضعف وبعكس ذلك .
وختم ذلك بالعود إلى إثبات البعث ثم بتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ووعده بالنصر .
A E ومن أعظم ما اشتملت عليه التصريح بأن الإسلام دين فطر الله الناس عليه وأن من ابتغى غيره دينا فقد حاول تبديل ما خلق الله وأنى له ذلك .
( ألم [ 1 ] ) تقدم القول على نظيره في سور كثيرة وخاصة في سورة العنكبوت وأن هذه السورة إحدى ثلاث سور مما افتتح بحروف التهجي المقطعة غير معقبة بما يشير إلى القرآن وتقدم في أول سورة مريم .
( غلبت الروم [ 2 ] في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون [ 3 ] في بضع سنين ) قوله ( غلبت الروم ) خبر مستعمل في لازم فائدته على طريق الكناية أي نحن نعلم بأن الروم غلبت فلا يهنكم ذلك ولا تطاولوا به على رسولنا وأوليائنا فإنا نعلم أنهم سيغلبون من غلبوهم بعد بضع سنين بحيث لا يعد الغلب في مثله غلبا .
فالمقصود من الكلام هو جملة ( وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) وكان ما قبله تمهيدا له .
وإسناد الفعل إلى المجهول لأن الغرض هو الحديث عن المغلوب لا على الغالب ولأنه قد عرف أن الذين غلبوا الروم هم الفرس .
والروم : اسم غلب في كلام العرب على أمة مختلطة من اليونان والصقالبة ومن الرومانيين الذين أصلهم من اللاطينيين سكان إيطاليا نزحوا إلى أطراف شرق أوربا . تقومت هذه الأمة المسماة الروم على هذا المزيج فجاءت منها مملكة تحتل قطعة من أوربا وقطعة من آسيا الصغرى وهي بلاد الأناظول . وقد أطلق العرب على مجموع هذه الأمة اسم الروم تفرقة بينهم وبين الرومان اللاطينيين . وسموا الروم أيضا ببني الأصفر كما جاء في حديث أبي سفيان عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث إلى هرقل سلطان الروم وهو في حمص من بلاد الشام إذ قال أبو سفيان لأصحابه " لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر "