وإن كانوا معتقدين صدق الرسول وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله ( فلما جاءهم ما عرفوا ) على أحد الاحتمالين المتقدمين فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي أي بئس العوض بذلهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق فالآية على نحو قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) . وقيل إن اشتروا بمعنى باعوا أي بذلوا أنفسهم والمراد بذلها للعذاب في مقابلة إرضاء مكابرتهم وحسدهم وهذا الوجه منظور فيه إلى قوله قبله ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وهو بعيد من اللفظ لأن استعمال الاشتراء بمعنى البيع مجاز بعيد إذ هو يفضي إلى إدخال الغلط على السامع وإفساد ما أحكمته اللغة من التفرقة وإنما دعا إليه قصد قائله إلى بيان حاصل المعنى . على أنك قد علمت إمكان الجمع بين مقتضى قوله ( ما عرفوا ) وقوله هنا ( اشتروا به أنفسهم ) فأنت في غنى عن التكلف . وعلى كلا التفسيرين يكون اشتروا مع ما تفرع عنه من قوله ( فباءوا بغضب على غضب ) تمثيلا لحالهم بحال من حاول تجارة ليربح فأصابه خسران وهو تمثيل يقبل بعض أجزائه أن يكون استعارة وذلك من محاسن التمثيلية .
وجيء بصيغة المضارع في قوله ( أن يكفروا ) ولم يؤت به على ما يناسب المبين وهو ( ما اشتروا ) المقتضي أن الاشتراء قد مضى للدلالة على أنهم صرحوا بالكفر بالقرآن من قبل نزول الآية فقد تبين أن اشتراء أنفسهم بالكفر عمل استقر ومضى ثم لما أريد بيان ما اشتروا به أنفسهم نبه على أنهم لم يزالوا يكفرون ويعلم أنهم كفروا فيما مضى أيضا إذ كان المبين بأن يكفروا معبرا عنه بالماضي بقوله ( ما اشتروا ) .
A E وقوله ( بغيا ) مفعول لأجله علة لقوله ( أن يكفروا ) لأنه الأقرب إليه ويجوز كونه علة لاشتروا لأن الاشتراء هنا صادق على الكفر فإنه المخصوص بحكم الذم وهو عين المذموم والبغي هنا مصدر بغي يبغي إذا ظلم وأراد به هنا ظلما خاصا وهو الحسد وإنما جعل الحسد ظلما لأن الظلم هو المعاملة بغير حق والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود ولا حق للحاسد في ذلك لأنه لا يناله من زوالها نفع ولا من بقائها ضر ولقد أجاد أبو الطيب إذ أخذ هذا المعنى في قوله : .
وأظلم خلق الله من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب وقوله ( أن ينزل الله ) متعلق بقوله ( بغيا ) بحذف حرف الجر وهو حرف الاستعلاء لتأويل بغيا بمعنى حسدا .
فاليهود كفروا حسدا على خروج النبوءة منهم إلى العرب وهو المشار إليه بقوله تعالى ( على من يشاء من عباده ) وقوله فباءوا بغضب على غضب أي فرجعوا من تلك الصفقة وهي اشتراء أنفسهم بالخسران المبين وهو تمثيل لحالهم بحال الخارج بسلعته لتجارة فأصابته خسارة فرجع إلى منزله خاسرا . شبه مصيرهم إلى الخسران برجوع التاجر الخاسر بعد ضميمة قوله ( بئس ما اشتروا به أنفسهم ) والظاهر أن المراد بغضب على غضب الغضب الشديد على حد قوله تعالى ( نور على نور ) أي نور عظيم وقوله ( ظلمات بعضها فوق بعض ) وقول أبي الطيب : أرق على أرق ومثلي يأرق وهذا من استعمال التكرير باختلاف صيغة في معنى القوة والشدة كقول الحطيئة : .
أنت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الإحكام والحسب العد أي الكثير العدد أي العظيم وقال المعري " بني الحسب الوضاح والمفخر الجم " أي العظيم قال القرطبي قال بعضهم المراد به شدة الحال لا أنه أراد غضبين وهما غضب الله عليهم للكفر وللحسد أو للكفر بمحمد وعيسى عليهما السلام .
وقوله ( وللكافرين عذاب مهين ) هو كقوله ( فلعنة الله على الكافرين ) أي ولهم عذاب مهين لأنهم من الكافرين والمهين المذل أي فيه كيفية احتقارهم .
( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين [ 91 ] )
