والهدى وصف للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به . والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهمخير الدنيا وخير الآخرة .
فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله . وأنه منزل على قلب الرسول . وأنه مصدق لما سبقه من الكتب . وأنه هاد أبلغ هدى . وأنه بشرى للمؤمنين الثناء على القرآن بكرم الأصل . وكرم المقر . وكرم الفئة . ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيرا عاجلا . وواعد لهم بعاقبة الخير .
وهذه خصال الرجل الكريم محتده . وبيته . وقومه . السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم : .
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج A E وقوله ( من كان عدوا لله ) الخ قد ظهر حسن موقعه بما علمتموه من وجه معنى فإنه نزله على قلبك بإذن الله أي لما كانت عداوتهم جبريل لأجل عداوتهم الرسول ورجعت بالآخرة إلى إلزامهم بعداوتهم الله المرسل لأن سبب العداوة هو مجيئه بالرسالة تسنى أن سجل عليهم أنهم أعداء الله لأنه المرسل وأعداء رسله لأنهم عادوا الرسول وأعداء الملائكة لذلك فقد صارت عداوتهم جبريل كالحد الوسط في القياس لا يلتفت إليه وإنما يلتفت للمقدمتين الصغرى والكبرى فعداوتهم الله بمنزلة المقدمة الكبرى لأنها العلة في المعنى عند التأمل . وعداوتهم الرسول بمنزلة المقدمة الصغرى لأنها السبب الجزئي المثبت له فلا يرد أنه لا وجه لذكر عداوة الله تعالى هنا حتى يجاب بأن عداوة الملائكة والرسل عداوة لله على حد ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) فإن ذلك بعيد .
وقد أثبت عداوة الملائكة والرسل مع أنهم إنما عادوا جبريل ومحمدا لأنهم لما عادوهما عادوا جبريل لأجل قيامه بما هو من خصائص جنسه الملكي وهو تبليغ أمر الله التكليفي فإن ذلك خصيصتهم قال تعالى ( وهم بأمره يعلمون ) كانت عداوتهم إياه لأجل ذلك آيلة إلى عداوة جنس الملائكة إذ تلك طريق ليس جبريل فيها بأوحد وكذلك لما عادوا محمدا لأجل مجيئه بالرسالة لسبب خاص بذاته كانت عداوتهم إياه آيلة إلى عداوة الوصف الذي هو قوام جنس الرسول فمن عادى واحدا كان حقيقا بأن يعاديهم كلهم وإلا كان فعله تحكما لا عذر له فيه . وخص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه وليذكر معه ميكائيل ولعلهم عاودهما معا أو لأنهم زعموا أن جبريل رسول الخسف والعذاب وأن ميكائيل رسول الخصب والسلام وقالوا نحن نحب ميكائيل فلما أريد إنذارهم بأن عداوتهم الملائكة تجر إليهم عداوة الله وأعيد ذكر جبريل للتنويه به وعطف عليه ميكائيل لئلا يتوهموا أن محبتهم ميكائيل تكسب المؤمنين عداوته .
وفي ميكائيل لغات إحداها ميكائيل بهمزة بعد الألف وياء بعد الهمزة وبها قرأ الجمهور . الثانية ( ميكائل ) بهمزة بعد الألف وبلا ياء بعد الهمزة وبها قرأ نافع . الثالثة ( ميكال ) بدون همز ولا ياء وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة أهل الحجاز .
وقوله ( فإن الله عدو للكافرين ) جواب الشرط . والعدو مستعمل في معناه المجازي وهو ما يستلزمه من الانتقام والهلاك وأنه لا يفلته كما قال النابغة : .
" " فإنك كالليل الذي هو مدركي " البيت وقوله تعالى ( ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) وما ظنك بمن عاداه الله . ولهذا ذكر اسم الجلالة بلفظه الظاهر ولم يقل فإني عدو أو فإنه عدو لما يشعر به الظاهر هنا من القدرة العظيمة على حد قول الخليفة " أمير المؤمنين يأمر بكذا " حثا على الامتثال . والمراد بالكافرين جميع الكافرين وجيء بالعام ليكون دخولهم فيه كإثبات الحكم بالدليل . وليدل على أن الله عاداهم لكفرهم وأن تلك العداوة كفر . ولتكون الجملة تذييلا لما قبلها .
( ولقد أنزلنا إليك آيات بينت وما يكفر بها إلا الفاسقون [ 99 ] أو كلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون [ 100 ] ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون [ 101 ] )
