وقوله ( وراء ظهورهم ) تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء . فالإضافة كالبيانية وبهذا يجاب عما نقله ابن عرفة عن الفقيه أبي العباس أحمد بن عبلون أنه كان يقول مقتضى هذا أنهم طرحوا كتاب الله أمامهم لأن الذي وراء الظهر هو الوجه وكما أن الظهر خلف للوجه كذلك الوجه وراء للظهر قال ابن عرفة وأجيب بأن المراد أي بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراء وراء .
وقوله ( كأنهم لا يعلمون ) تسجيل عليهم بأنهم عالمون بأن القرآن كتاب الله أو كأنهم لا يعلمون التوراة وما فيها من البشارة ببعثة الرسول من ولد إسماعيل .
( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) A E قوله ( واتبعوا ) عطف على جملة الشرط وجوابه في قوله ( ولما جاءهم رسول من عند الله ) الآية بذكر خصلة لهم عجيبة وهي أخذهم بالأباطيل بعد ذكر خصلة أخرى وهي نبذهم للكتاب الحق فذلك هو مناسبة عطف هذا الخبر على الذي قبله . فإن كان المراد بكتاب الله في قوله ( كتاب الله وراء ظهورهم ) القرآن فالمعنى أنهم لما جاءهم رسول الله مصدقا لما معهم نبذوا كتابه بعلة أنهم متمسكون بالتوراة فلا يتبعون ما خالف أحكامها وقد اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وهو مخالف للتوراة لأنها تنهي عن السحر والشرك فكما قيل لهم فيما مضى ( أفتؤمنون ببعض الكتاب ) يقال لهم أفتؤمنون بالكتاب تارة وتكفرون به تارة أخرى . وإن كان المراد بكتاب الله التوراة فالمعنى لما جاءهم رسول الله نبذوا ما في التوراة من دلائل صدق هذا الرسول وهم مع ذلك قد نبذوها من قبل حين ( اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) مع أن ذلك مخالف لأحكام التوراة . قال القرطبي قال ابن إسحاق لما ذكر النبي A سليمان في الأنبياء قالت اليهود إن محمدا يزعم أن سليمان نبي وما هو بنبي ولكنه ساحر فنزلت هذه الآية و ( الشياطين ) يحتمل أن يكونوا شياطين من الجن وهو الإطلاق المشهور . ويحتمل أن يراد به ناس تمردوا وكفروا وأتوا بالفظائع الخفية فأطلق عليهم الشياطين على وجه التشبيه كما في قوله تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) وقرينة ذلك قوله ( يعلمون الناس السحر ) فإنه ظاهر في أنهم يدرسونه للناس وكذلك قوله بعده ( ولكن الشياطين كفروا ) إذ هذا الاستدراك في الإخبار يدل على أنهم من الإنس لأن كفر الشياطين من الجن أمر مقرر لا يحتاج للإخبار عنه . وعن ابن إسحاق أيضا أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبوا أصنافا من السحر وقالوا من أحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا لأصناف من السحر وختموه بخاتم يشبه نقش خاتم سليمان ونسبوه إليه ودفنوه وزعموا أن سليمان دفنه وأنهم يعلمون مدفنه ودلوا الناس على ذلك الموضع فأخرجوه فقالت اليهود ما كان سليمان إلا ساحرا وما تم له الملك إلا بهذا . وقيل كان آصف ابن برخيا كاتب سليمان يكتب الحكمة بأمر سليمان ويدفن كتبه تحت كرسي سليمان لتجدها الأجيال فلما مات سليمان أغرت الشياطين الناس على إخراج تلك الكتب وزادوا في خلال سطورها سحرا وكفرا ونسبوا الجميع لسليمان فقالت اليهود كفر سليمان .
A E