الثاني استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعدن وهذا يرجع إلى خصائص طبيعية كخاصية الزئبق ومن ذلك العقاقير المؤثرة في العقول صلاحا أو فسادا والمفترة للعزائم والمخدرات والمرقدات على تفاوت تأثيرها وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى في سحرة فرعون ( إن ما صنعوا كيد ساحر ) .
الثالث الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد متحركا وإليه الإشارة بقوله تعالى ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) .
هذه أصول السحر بالاستقراء وقد قسمها الفخر في التفسير إلى ثمانية أقسام لا تعدو هذه الأصول الثلاثة وفي بعضها تداخل . ولعلماء الإفرنج تقسيم آخر ليس فيه كبير جدوى .
وهذه الأصول الثلاثة كلها أعمال مباشرة للمسحور ومتصلة به ولها تأثير عليه بمقدار قابلية نفسه الضعيفة وهو لا يتفطن لها ومجموعها هو الذي أشارت إليه الآية وهو الذي لا خلاف في إثباته على الجملة دون تفصيل وما عداها من الأوهام والمزاعم هو شيء لا أثر له وذلك كل عمل لا مباشرة له بذات من يراد سحره ويكون غائبا عنه فيدعى أنه يؤثر فيه وهذا مثل رسم أشكال يعبر عنها بالطلاسم أو عقد خيوط والنفث عليها برقيات معينة تتضمن الاستنجاد بالكواكب أو بأسماء الشياطين والجن وآلهة الأقدميين وكذا كتابة اسم المسحور في أشكال . أو وضع صورته أو بعض ثيابه وعلائقه وتوجيه كلام إليها بزعم أنه يؤثر ذلك في حقيقة ذات المسحور أو يستعملون إشارات خاصة نحو جهته أو نحو بلده وهو ما يسمونه بالأرصاد وذكر أبو بكر ابن العربي في القبس أن قريشا لما أشار النبي A بأصبعه في التشهد قالوا هذا محمد يسحر الناس أو جمع أجزاء معينة وضم بعضها إلى بعض مع نية أن ذلك الرسم أو الجمع لتأثير شخص معين بضر أو خير أو محبة أو بغضة أو مرض أو سلامة ولا سيما إذا قرن باسم المسحور وصورته أو بطالع ميلاده فذلك كله من التوهمات وليس على تأثيرها دليل من العقل ولا من الطبع ولا ما يثبته من الشرع وقد انحصرت أدلة إثبات الحقائق في هذه الأدلة ومن العجائب أن الفخر في التفسير حاول إثباته بما ليس بمقنع .
وقد تمسك جماعة لإثبات تأثير هذا النوع من السحر بما روى في الصحيحين عن قول عائشة أن لبيد بن الأعصم سحر النبي A ورؤيا النبي A أن ملكين أخبراه بذلك السحر وفي النسائي عن زيد بن أرقم مثله مختصرا وينبغي التثبت في عباراته ثم في تأويله ولا شك أن لبيدا حاول أن يسحر النبي A فقد كان اليهود سحرة في المدينة وأن الله أطلع رسوله على ما فعله لبيد لتكون معجزة للنبي A في أبطال سحر لبيد وليعلم اليهود أنه نبي لا تلحقه أضرارهم وكما لم يؤثر سحر السحرة على موسى كذلك لم يؤثر سحر لبيد على رسول الله A وإنما عرض للنبي A عارض جسدي شفاه الله منه فصادف أن كان مقارنا لما عمله لبيد بن الأعصم من محاولة سحره وكانت رؤيا النبي A إنباء من الله له بما صنع لبيد والعبارة عن صورة تلك الرؤيا كانت مجملة فإن الرأي رموز ولم يرد في الخبر تعبير ما اشتملت عليه فلا تكون أصلا لتفصيل القصة .
ثم إن لتأثير هاته الأسباب أو الأصول الثلاثة شروطا وأحوالا بعضها في ذات الساحر وبعضها في ذات المسحور فيلزم في الساحر أن يكون مفرط الذكاء منقطعا لتجديد المحاولات السحرية جسورا قوي الإرادة كتوما للسر قليل الاضطراب للحوادث سالم البنية مرتاض الفكر خفي الكيد والحيلة ولذلك كان غالب السحرة رجالا ولكن كان الحبشة يجعلون السواحر نساء وكذلك كان الغالب في الفرس والعرب قال تعالى ( ومن شر النفاثات في العقد ) فجاء بجمع الإناث وكانت الجاهلية تقول إن الغيلان عجائز من الجن ساحرات فلذلك تستطيع التشكل بأشكال مختلفة وكان معلمو السحر يمتحنون صلاحية تلامذتهم لهذا العلم بتعريضهم للمخاوف وأمرهم بارتكاب المشاق تجربة لمقدار عزائمهم وطاعتهم .
A E
