ولذلك أيضا لم يؤت في هذا التركيب بصيغة قصر خلاف قوله ( بل الله فاعبد ) لأن المقصود هنا زيادة التصريح بالإخلاص والرسول A منزه عن أن يعبد غير الله . وقد توهم ابن الحاجب من عدم تقديم المعمول هنا أن تقديم المفعول في قوله تعالى ( بل الله فاعبد ) في آخر هذه السورة لا يفيد القصر وهي زلة عالم .
والإخلاص : الإمحاض وعدم الشوب بمغاير وهو يشمل الإفراد . وسميت السورة التي فيها توحيد الله سورة الإخلاص أي إفراد الله بالإلهية . وأوثر الإخلاص هنا لإفادة التوحيد وأخص منه وهو أن تكون عبادة النبي A ربه غير مشوبة بحظ دنيوي كما قال تعالى ( قل ما أسألكم عليه من أجر ) .
والدين : المعاملة . والمراد به هنا معاملة المخلوق ربه وهي عبادته . فالمعنى : مخلصا له العبادة غير خالط بعبادته عبادة غيره .
وانتصب ( مخلصا ) على الحال من الضمير المستتر في ( أعبد ) . ولما أفاد قوله ( مخلصا له الدين ) معنى إفراده بالعبادة لم يكن هنا مقتض لتقديم مفعول ( أبد الله ) على عامله لأن الاختصاص قد استفيد من الحال في قوله ( مخلصا له الدين ) وبذلك يبطل استناد الشيخ ابن الحاجب لهذه الآية في توجيه رأيه بإنكار إفادة تقديم المفعول على فعله التخصيص وتضعيفه لاستدلال أئمة المعاني بقوله تعالى ( بل الله فاعبد ) آخر السورة بأنه تقديم لمجرد الاهتمام لورود ( فاعبد الله ) قال في إيضاح المفصل في شرح قول صاحب المفصل في الديباجة ( الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية ) الله أحمد على طريقة ( إياك نعبد ) تقديما للأهم وما قيل : إنه للحصر لا دليل عليه والتمسك فيه بنحو ( بل الله فاعبد ) ضعيف لورود ( فاعبد الله ) اه . ونقل عنه أنه كتب في حاشيته على الإيضاح هنالك قوله ( لا دليل فيه على الحصر فإن المعبودية من صفاته تعالى الخاصة به فالاختصاص مستفاد من الحال لا من التقديم ) اه .
وهو ضغث على إبالة فإنه لم يقتصر على منع دليل شهد به الذوق السليم عند أئمة الاستعمال وعلى سند منعه بتوهمه أن التقديم الذي لوحظ في مقام يجب أن يلاحظ في كل مقام كأن الكلام قد جعل قوالب يؤتى بها في كل مقام وذلك ينبو عنه اختلاف المقامات البلاغية حتى جعل الاختصاص بالعبادة مستفادا من القرينة لا من التقديم كأن القرية لو سلم وجودها تمنع من التعويل على دلالة النطق .
( ألا لله الدين الخالص ) استئناف للتخلص إلى استحقاقه تعالى الإفراد بالعبادة وهو غرض السورة وأفاد التعليل للأمر بالعبادة الخالصة مستحقا لله وخاصا به كان الأمر بالإخلاص له مصيبا محزه فصار أمر النبي A بإخلاص العبادة له مسببا عن نعمة إنزال الكتاب إليه ومقتضى لكونه مستحق الإخلاص في العبادة اقتضاء الكلية لجزيئاتها . وبهذا العموم أفادت الجملة معنى التذييل فتحملت ثلاثة مواقع كلها تقتضي الفصل .
وافتتحت الجملة بأداة التنبيه تنويها بمضمونها لتتلقاه النفس بشراشرها وذلك هو ما رجح اعتبار الاستئناف فيها وجعل معنى التعليل حاصلا تبعا من ذكر إخلاص عام بعد إخلاص خاص وموردهما واحد .
واللام في ( لله الدين الخالص ) لام الملك الذي هو بمعنى الاستحقاق أي لا يحق الدين الخالص أي الطاعة غير المشوبة إلا له على نحو ( الحمد لله ) .
وتقديم المسند لإفادة الاختصاص فأفاد قوله ( لله الدين الخالص ) أنه مستحقه وأنه مختص به . والدين : الطاعة كما تقدم . والخالص : السالم من أن يشوبه تشريك غيره في عبادته فهذا هو المقصود من الآية .
ومما يتفرع على معنى الآية إخلاص المؤمن الموحد في عبادة ربه أي أن يعبد الله لأجله أي طلبا لرضاه وامتثالا لأمره وهو آيل إلى أحوال النية في العبادة المشار إليها بقول النبي A " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .
وعرف الغزالي الإخلاص بأنه تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب .
A E