وقال أبو حنيفة يقتل الرجل الساحر ولا يستتاب وأما المرأة فتحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ووجه أبو يوسف بأنه جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد . وعن الشيخ أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال لا تقبل فقد خلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم ا ه . وهذا استدلال بشرع من قبلنا .
وقال الشافعي يسأل الساحر عن سحره فإن ظهر منه ما هو كفر فهو كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل وإن ظهر منه تجويز تغيير الأشكال لأسباب قراءة تلك الأساطير أو تدخين الأدوية وعلم أنه يفعل محرما فحكمه حكم الجناية فإن اعترف بسحر إنسان وأن سحره يقتل غالبا قتل قودا " يعني إذا ثبت أنه مات بسببه " وإن قال إن سحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد وإن كان سحره لغير القتل فمات منه فهو قتل خطأ تجب الدية فيه مخففة في ماله .
ويجب أن يستخلص من اختلافهم ومن مفترق أقوالهم ما يكون فيه بصيرة لإجراء أعمال ما يسمى بالسحر وصاحبه بالساحر مجرى جنايات أمثاله ومقدار ما أثره من الاعتداء دون مبالغة ولا أوهام وقد يطلق اسم الساحر اليوم على اللاعب بالشعوذة في الأسمار وذلك من أصناف اللهو فلا ينبغي عد ذلك جناية .
( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمن من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) يتعين أن ما موصولة وهو معطوف على قوله ( ملك سليمان ) أي وما تتلوا الشياطين على ما أنزل على الملكين والمراد بما أنزل ضرب من السحر لكنه سحر يشتمل على كفر عظيم وتعليم الخضوع لغير الله مع الاستخفاف بالدين ومع الإضرار بالناس كما بيناه آنفا فيكون عطفا على ( ما تتلوا ) الذي هو صادق على السحر فعطف ما أنزل عليه لأنه نوع منه أشد مما تتلوه الشياطين الذين كانوا يعلمونه الناس مع السحر الموضوع منهم فالعطف لتغاير الاعتبار أو للتنبيه على أن أصل السحر مقتبس مما ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين وعطف شيء على نفسه باعتبار تغاير المفهوم والاعتبار وارد في كلامهم كقول الشاعر " وهو من شواهد النحو " : .
إلى الملك القرم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدحم وقيل أريد من السحر أخف مما وضعته الشياطين على عهد سليمان لأن غاية ما وصف به هذا الذي ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين أنه يفرق بين المرء وزوجه وذلك ليس بكفر وفيه ضعف .
والقراءة المتواترة الملكين بفتح لام الملكين وقرأه ابن عباس والضحاك والحسن وابن أبزي بكسر اللام .
وكل هاته الوجوه تقتضي ثبوت نزول شيء على الملكين ببابل وذلك هو الذي يعنيه سياق الآية إذا فصلت كيفية تعليم هذين المعلمين علم السحر .
فالوجه أن قوله ( وما أنزل ) عطف على ( ملك سليمان ) فهو معمول لتتلوا الذي هو بمعنى تكذب فيكون المراد عدم صحة هذا الخبر أي ما تكذبه الشياطين على ما أنزل على الملكين ببابل أي ينسبون بعض السحر إلى ما أنزل ببابل . قال الفخر وهو اختيار أبي مسلم وأنكر أبو مسلم أن يكون السحر نازلا على الملكين إذ لا يجوز أمر الله به وكيف يتولى الملائكة تعليمه مع أنه كفر أو فسق وقيل ما نافية معطوفة على ما كفر سليمان أي وما كفر سليمان بوضع السحر كما يزعم الذين وضعوه ولا أنزل السحر على الملكين ببابل . وتعريف الملكين تعريف الجنس أو هو تعريف العهد بأن يكون الملكان معهودين لدى العارفين بقصة ظهور السحر وقد قيل إن هاروت وماروت بدل من الشياطين وأن المراد بالشياطين شيطانا وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت على أنه من إطلاق الجمع على المثنى كقوله ( قلوبكما ) وهذا تأويل خطأ إذ يصير قوله ( على الملكين ) كلاما حشوا .
A E