وأصل الإذن في اللغة هو إباحة الفعل واستأذن طلب الإذن في الفعل أو في الدخول للبيت وقد استعمله القرآن مجازا في معنى التمكين إما بخلق أسباب الفعل الخارقة للعادة نحو قوله ( وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ) وإما باستمرار الأسباب المودعة في الأشياء والقوى كقوله تعالى ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبأذن الله ) فقوله ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) أي إلا بما أعد الله في قابل السحر من استعداد لأن يضر به فإن هذا الاستعداد وإمكان التأثر مخلوق في صاحبه فهو بإذن الله ومشيئته كذا قرره الراغب وهو يرجع إلى استعمال مما تستعمل فيه كلمة إذن " ومن هذا القبيل ونظيره لفظة الأمر في قوله تعالى ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) أي مما خلق الله من الأشياء التي تلحق أضرارها للناس وقد اشتهر هذا الاستعمال في لسان الشرع حتى صار حقيقة عرفية في معنى المشيئة والإرادة فينبغي أن يلحق بالألفاظ التي فرق المتكلمون بين مدلولاتها وهي الرضا والمحبة والأمر والمشيئة والإرادة " . فليس المعنى أن السحر قد يضر وقد لا يضر بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان إيصال أشياء ضار بطبعها وقوله ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) يعني ما يضر الناس ضرا آخر غير التفرقة بين المرء وزوجه فضمير يضرهم عائد على غير ما عاد عليه ضمير يتعلمون والمعنى أن أمور السحر لا يأتي منها إلا الضر أي في الدنيا فالساحر لا يستطيع سحر أحد ليصير ذكيا بعد أن كان بليدا أو ليصير غنيا بعد الفقر وهذا زيادة تنبيه على سخافة عقول المشتغلين به وهو مقصد الآية وبهذا التفسير يكون عطف قوله ( ولا ينفعهم ) تأسيسا لا تأكيدا والملاحظ في هذا الضر والنفع هو ما يحصل في الدنيا وأما حالهم في الآخرة فسيفيده قوله ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) وقد أفادت الآية بجمعها بين إثبات الضر ونفي النفع الذي هو ضده مفاد الحصر كأنه قيل ويتعلمون ما ليس إلا ضرا كقول السموأل وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي : .
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليس على غير الظبات تسيل وعدل عن صيغة القصر لتلك النكتة المتقدمة وهي التنبيه على أنه ضر . وإعادة فعل يتعلمون مع حرف العطف لأجل ما وقع من الفصل بالجملة المعترضة .
( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [ 102 ] ) عطف على قوله ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) أي اتبعوا ذلك كله وهم قد علموا إلخ والضمير لليهود تبعا لضمير واتبعوا أو الواو للحال أي في حال أنهم تحقق علمهم . واللام في لقد علموا يجوز أن تكون لام القسم وهي اللام التي من شأنها أن تدخل على جواب القسم لربطه بالقسم ثم يحذفون القسم كثيرا استغناء لدلالة الجواب عليه دلالة التزامية لأنه لا ينتظم جواب بدون مجاب . ويجوز أن تكون لام الابتداء وهي لام تفيد تأكيد القسم ويكثر دخولها في صدر الكلام فلذلك قيل لها لام الابتداء والاحتمالان حاصلان في كل كلام صالح للقسم وليس فيه قسم فإن حذف لفظ القسم مشعر في المقام الخطابي بأن المتكلم غير حريص على مزيد التأكيد كما كان ذكر إن وحدها في تأكيد الجملة الاسمية أضعف تأكيدا من الجمع بينها وبين لام الابتداء لأنهما أداتا تأكيد . قال الرضي إن مواقع لام القسم في نظر الجمهور هي كلها لامات الابتداء . والكوفيون لا يثبتون لام الابتداء ويحملون مواقعها على معنى القسم المحذوف والخلاف في هذا متقارب . واللام في قوله ( لمن اشتراه ) يجوز كونها لام قسم أيضا تأكيدا للمعلوم أي علموا تحقيق أنه لا خلاق لمشتري السحر ويجوز كونها لام ابتداء والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره فالمعنى أنهم اكتسبوه ببذل إيمانهم المعبر عنه فيما يأتي بقوله أنفسهم . والخلاق الحظ من الخير خاصة .
ففي الحديث ( إنما يلبس هذا من لا خلاق له ) وقال البعيث بن حريث : .
ولست وإن قربت يوما ببائع ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب
