ولعل في قوله ( إن الله على كل شيء قدير ) تعليما للمسلمين فضيلة العفو أي فإن الله قدير على كل شيء وهو يعفو ويصفح وفي الحديث الصحيح لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله D يدعون له ندا وهو يرزقهم أو أراد أنه على كل شيء قدير فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنه لحكمته أمركم بالعفو عنهم وكل ذلك يرجع إلى الائتساء بصنع الله تعالى وقد قيل إن الحكمة كلها هي التشبه بالخالق بقدر الطاقة البشرية . فجملة ( إن الله على كل شيء قدير ) تذييل مسوق مساق التعليل . وجملة ( فاعفوا واصفحوا ) إلى قوله ( وقالوا لن يدخل ) تفريع مع اعتراض فإن الجملة المعترضة هي الواقعة بين جملتين شديدتي الاتصال من حيث الغرض المسوق له الكلام والاعتراض هو مجيء ما لم يسق غرض الكلام له ولكن للكلام والغرض به علاقة وتكميلا وقد جاء التفريع بالفاء هنا في معنى تفريع الكلام على الكلام لا تفريع معنى المدلول على المدلول لأن معنى العفو لا يتفرع عن ود أهل الكتاب ولكن الأمر به تفرع عن ذكر هذا الود الذي هو أذى وتجيء الجملة المعترضة بالواو وبالفاء بأن يكون المعطوف اعتراضا . وقد جوزه صاحب الكشاف عند قوله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) في سورة النحل وجوزه ابن هشام في مغنى اللبيب واحتج له بقوله تعالى ( فالله أولى بهما ) على قول ونقل بعض تلامذة الزمخشري أنه سئل عن قوله تعالى في سورة عبس ( إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة ) أنه قال لا يصح أن تكون جملة ( فمن شاء ذكره ) اعتراضا لأن الاعتراض لا يكون مع الفاء ورده صاحب الكشاف بأنه لا يصح عنه لمنافاته كلامه في آية سورة النحل وقوله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أريد به الأمر بالثبات على الإسلام فإن الصلاة والزكاة ركناه فالأمر بهما يستلزم الأمر بالدوام على ما أنتم عليه على طريق الكناية .
وقوله ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) مناسب للأمر بالثبات على الإسلام وللأمر بالعفو والصفح وفيه تعريض باليهود بأنهم لا يقدرون قدر عفوكم وصفحكم ولكنه لا يضيع عند الله ولذلك اقتصر على قوله ( عند الله ) قال الحطيئة : .
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وقوله تعالى ( إن الله بما تعملون بصير ) تذييل لما قبله والبصير العليم كما تقدم وهو كناية عن عدم إضافة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم القدير إذا علم شيئا فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه عجز وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيدا لغيرهم لأنه إذا كان بصيرا بما يعمل المسلمون كان بصيرا بما يعمل غيرهم .
( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ 111 ] بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 112 ] )