وقوله ( من أسلم ) جملة مستأنفة عن ( بلى ) لجواب سؤال من يتطلب كيف نقض نفي دخول الجنة عن غير هذين الفريقين أريد بها بيان أن الجنة ليست حكرة لأحد ولكن إنما يستحقها من أسلم إلخ لأن قوله ( فله أجره ) هو في معنى له دخول الجنة وهو جواب الشرط لأن من شرطية لا محالة . ومن قدر هنا فعلا بعد بلى أي يدخلها من أسلم فإنما أراد تقدير معنى لا تقدير إعراب إذ لا حاجة للتقدير هنا .
وإسلام الوجه لله هو تسليم الذات لأوامر الله تعالى أي شدة الامتثال لأن أسلم بمعنى ألقى السلاح وترك المقاومة قال تعالى ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني . والوجه هنا الذات عبر عن الذات بالوجه لأنه البعض الأشرف من الذات كما قال الشنفري : .
" إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري ومن إطلاق الوجه على الذات قوله تعالى ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) . وأطلق الوجه على الحقيقة تقول جاء بالأمر على وجهه أي على حقيقته قال الأعشى : .
وأول الحكم على وجهه ... ليس قضاء بالهوى الجائر ووجوه الناس أشرافهم ويجوز أن يكون أسلم بمعنى أخلص مشتقا من السلامة أي جعله سالما ومنه ورجلا سلما لرجل .
وقوله ( وهو محسن ) جيء به جملة حالية لإظهار أنه لا يغني إسلام القلب وحده ولا العمل بدون إخلاص بل لا نجاة إلا بهما ورحمة الله فوق ذلك إذ لا يخلو امرؤ عن تقصير .
وجمع الضمير في قوله ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) اعتبارا بعموم ( من ) كما أفرد الضمير في قوله ( وجهه لله وهو محسن ) اعتبارا بإفراد اللفظ وهذا من تفنن العربية لدفع سآمة التكرار .
( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [ 113 ] ) معطوف على قوله ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) لزيادة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمى المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة فقديما ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتا على شركهم .
والمراد من القول التصريح بالكلام الدال فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين جاء وفد نجران إلى رسول الله A وفيهم أعيان دينهم من النصارى فلما بلغ مقدمهم اليهود أتوهم وهم عند النبي A فناظروهم في الدين وجادلوهم حتى تسابوا فكفر بعيسى وبالإنجيل وقالوا للنصارى ما أنتم على شيء فكفر وفد نجران بموسى وبالتوراة وقالوا لليهود لستم على شيء .
وقولهم ( على شيء ) نكرة في سياق النفي والشيء الموجود هنا مبالغة أي ليسوا على أمر يعتد به . فالشيء المنفي هو الشيء العرفي أو باعتبار صفة محذوفة على حد قول عباس ابن مرداس : .
وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع A E
