ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) في سورة الأنفال . واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحد قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي ومن السلف عبد الله بن عمر وعطاء وسعيد بن جبير : أن هذه الآية غير منسوخة وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء وأمير الجيش مخير في ذلك . ويشبه أن يكون أصحاب هذل القول يرون أن مورد الآية الإذن في المن أو الفداء فهي ناسخة أو منهية لحكم قوله تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) إلى قوله ( لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) في سورة الأنفال .
وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة وأوقات المحاربة فلذلك لم يقل هؤلاء بحظر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المن والفداء ولم يذكر معهما القتل . وقد ثبت في الصحيح ثبوتا مستفيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من أسرى بدر النضر بن الحارث وذلك قبل نزول هذه الآية وعقبة بن أبي معيط وقتل أسرى قريظة الذين نزلوا على حكم سعد بن معاذ وقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة يوم فتح مكة وقتل بعد أحد أبا عزة الجمعي الشاعر وذلك كله لا يعارض هذه الآية لأنها جعلت التخيير لولي الأمر .
وأيضا لم يذكر في هذه الآية جواز الاسترقاق وهو الأصل في الأسرى وهو يدخل في المن إذا اعتبر المن شاملا لترك القتل ولأن مقابلة المن بالفداء تقتضي أن الاسترقاق مشروع . وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك : أن المن من العتق .
وقال الحسن وعطاء : التخيير بين المن والفداء فقط دون قتل الأسير فقتل الأسير يكون محظورا . وظاهر هذه الآية يعضد ما ذهب اليه الحسن وعطاء .
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة وأنه لا يجوز في الأسير المشرك إلا القتل بقوله تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) . وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج ورواه العوفي عن ابن عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة : لا بأس أن يفادى أسرى المشركين الذين لم يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد المشركين . وروى الجصاص أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف .
والغاية المستفادة من ( حتى ) في قوله ( حتى تضع الحرب أوزارها ) للتعليل لا للتقييد أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها أي ليكف المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال .
والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهن العدو فيتركوا حربكم فلا مفهوم لهذه الغاية فالتعليل متصل بقوله ( فضرب الرقاب ) وما بينهما اعتراض . والتقدير : فضرب الرقاب أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها فيكون واردا مورد التعليم والموعظة أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ليكون المن بعد ذلك أو الفداء .
والأوزار : الأثقال ووضع الأوزار تمثيل لانتهاء العمل فشبهت حالة انتهاء القتال بحالة وضع الحمال أو المسافر أثقاله وهذا من مبتكرات القرآن . وأخذ منه عبد ربه السلمى أو سليم الحنفي قوله : .
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره .
( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ) A E أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفا ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) للنكتة التي تقدمت هنالك وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف . وتقدير المحذوف : الأمر ذلك والمشار إليه ما تقدم من قوله ( فضرب الرقاب ) إلى هنا ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس