تفريع على جملة ( والذين كفروا فتعسا لهم ) الآية وتقدم القول في نظائر ( أفلم يسيروا في الأرض ) في سورة الروم وفي سورة غافر .
والاستفهام تقريري والمعنى : أليس تعس الذين كفروا مشهودا عليه بآثاره من سوء عاقبة أمثالهم الذين كانوا قبلهم يدينون بمثل دينهم .
وجملة ( دمر الله عليهم ) استئناف بياني وهذا تعريض بالتهديد . والتدمير : الإهلاك والدمار وهو الهلك .
وفعل ( دمر ) متعد إلى المدمر بنفسه فيقال : دمرهم الله وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير فحذف مفعول ( دمر ) لقصد العموم ثم جعل التدمير واقعا عليهم فأفاد معنى ( دمر ) كل ما يختص بهم وهو المفعول المحذوف وأن التدمير واقع عليهم فهم من مشموله .
وجملة ( وللكافرين أمثالها ) اعتراض بين جملة ( أفلم يسيروا في الأرض ) وبين جملة ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ) . والمراد بالكافرين : كفار مكة والمعنى : ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص .
وأمثال : جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء وجمع الأمثال لأن الله استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف ويوم حنين بالسيف أيضا وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو .
وضمير ( أمثالها ) عائد إلى ( عاقبة الذين من قبلهم ) باعتبار أنها حالة سوء .
( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [ 11 ] ) أعيد اسم الإشارة للوجه الذي تقدم في قوله ( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ) وقوله ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) .
واسم الإشارة منصرف إلى مضمون قوله ( وللكافرين أمثالها ) بتأويل : ذلك المذكور لأنه يتضمن وعيدا للمشركين بالتدمير وفي تدميرهم انتصار للمؤمنين على ما لقوا منهم من الأضرار فأفيد أن ما توعدهم الله به مسبب على أن الله نصير الذين آمنوا وهو المقصود من التعليل وما بعده تتميم .
والمولى هنا : الولي والناصر . والمعنى : أن الله ينصر الذين ينصرون دينه وهم الذين آمنوا ولا ينصر الذين كفروا به فأشركوا معه في إلهيته وإذا كان لا ينصرهم فلا يجدون نصيرا لأنه لا يستطيع أحد أن ينصرهم على الله فنفي جنس المولى لهم بهذا المعنى من معاني المولى .
فقوله ( وأن الكافرين لا مولى لهم ) أفاد شيئين : أن الله لا ينصرهم وأنه إذا لم ينصرهم فلا ناصر لهم وأما إثبات المولى للمشركين في قوله تعالى ( ثم نقول للذين أشركوا مكانكم ) إلى قوله ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) فذلك المولى بمعنى آخر وهو معنى : المالك والرب فلا تعارض بينهم .
( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [ 12 ] ) استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قوله ( بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) عن حال المؤمنين في الآخرة وعن رزق الكافرين في الدنيا فبين الله أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا وأن ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا عبرة به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا أكل وتمتع كحظ الأنعام وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب فقوله ( والنار مثوى لهم ) في معنى قوله في سورة آل عمران ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) .
وهذا الاستئناف وقع اعتراضا بين جملة ( أفلم يسيروا في الأرض ) وجملة ( وكائن من قرية ) الآية .
والمجرور من قوله ( كما تأكل الأنعام ) في محل الحال من ضمير ( يأكلون ) أو في محل الصفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ل ( يأكلون ) لبيان نوعه .
والتمتع : الانتفاع القليل بالمتاع وتقدم في قوله ( متاع قليل ) في سورة آل عمران وقوله ( ومتاع إلى حين ) في سورة الأعراف .
A E
