فأما الخمر فكانت قليلة عزيزة عندهم لقلة الأعناب في الحجاز إلا قليلا في الطائف فكانت الخمر تجتلب من بلاد الشام ومن بلاد اليمن وكانت غالية الثمن وقد ينقطع جلبها زمانا في فصل الشتاء لعسر السير بها في الطرق وفي أوقات الحروب أيضا خوف انتهابها .
والعسل هو أيضا من أشربتهم قال تعالى في النحل ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) والعرب يقولون : سقاه عسلا ويقولون : أطعمه عسلا . وكان العسل مرغوبا فيه يجتلب من بلاد الجبال ذات النبات المستمر .
فأما الثمرات فبعضها كثير عندهم كالتمر وبعضها قليل كالرمان .
والآسن : وصف من أسن الماء من باب ضرب ونصر وفرح إذا تغير لونه . وقرأه ابن كثير ( أسن ) بدون ألف بعد الهمزة على وزن فعل للمبالغة .
والخمر : عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر وهو الحموضة مثل خمير العجين .
و ( لذة ) وصف وليس باسم وهو تأنيث اللذ أي اللذيذ قال بشار : .
ذكرت شبابي اللذ غير قريب ... ومجلس لهو طاب بين شروب واللذاذة : انفعال نفساني فيه مسرة وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم والأشربة والملامس البدنية فوصف خمر هنا بأنها ( لذة ) معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحموضة طعمها .
والعسل المصفى : الذي خلص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل .
ومعنى ( من كل الثمرات ) أصناف من جميع أجناس الثمرات فالتعريف في ( الثمرات ) للجنس و ( كل ) مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة أي جميع ما خلق الله من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه الله للجنة . و ( من ) تبعيضية وهذا كقوله تعالى ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) .
و ( مغفرة ) عطف على ( أنهار ) وما بعده أي وفيها مغفرة لهم أي تجاوز عنهم أي إطلاق في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن يعملوا ما شاؤوا في الحديث " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال تعالى ( ورضوان من الله أكبر ) .
وتقدير المضاف في " مثله " ظاهر للقرينة .
وقوله ( وسقوا ماء حميما ) جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) إلى قوله ( من كل الثمرات ) أي أن أهل النار محرومون من جميع ما ذكر من المشروبات . وليسوا بذائقين إلا الماء الحميم الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه . ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار إلى ذكر في قوله تعالى ( لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم ) وقوله ( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ) إلى قوله ( فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ) .
وضمير ( سقوا ) راجع إلى ( من هو خالد في النار ) باعتبار معنى ( من ) وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله ( هو خالد ) .
والأمعاء : جمع معى مقصورا وبفتح الميم وكسرها وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة . ويسمى عفج بوزن كتف .
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ) ضمير ( ومنهم ) عائد إلى ( الذين كفروا ) الذين جرى ذكرهم غير مرة من أول السورة أي ومن الكافرين قوم يستمعون إليك وأراد بمن يستمع معهم المنافقين بقرينة قوله ( قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ) وقوله ( خرجوا من عندك ) .
وليس المراد مجرد المستمعين مثل ما في قوله ( ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ) وقوله ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ) للفرق الواضح بين الأسلوبين وهذا صنف آخر من الكافرين الذين أسروا الكفر وتظاهروا بالإيمان وقد كان المنافقون بعد الهجرة مقصودين من لفظ الكفار . وهذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة فلذلك ذكر فيها الفريقان من الكفار .
A E