ويجوز أن تكون الآية أشارت إلى حادثة خاصة ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين وأحوالهم وعلم الذين كانوا حاضرين منهم أنهم المعنيون بذلك فأرادوا أن يسألوا سؤال استطلاع هل شعر أهل العلم بأن أولئك هم المعنيون فيكون مفعول ( يستمعون ) محذوفا للعلم به عند النبي صلى الله عليه وسلم .
( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم [ 16 ] ) استئناف بياني لأن قولهم ( ماذا قال آنفا ) سؤال غريب من شأنه إثارة سؤال من يسأل عن سبب حصوله على جميع التقادير السابقة في مرادهم منه .
وجيء باسم الإشارة بعد ذكر صفاتهم تشهيرا بهم وجيء بالموصول وصلته خبرا عن اسم الإشارة لإفادة أن هؤلاء المتميزين بهذه الصفات هم أشخاص الفريق المتقرر بين الناس أنهم فريق مطبوع على قلوبهم لأنه قد تقرر عند المسلمين أن الذين صمموا على الكفر هم قد طبع الله على قلوبهم وأنهم متبعون لأهوائهم فأفادت أن هؤلاء المستمعين زمرة من ذلك الفريق فهذا التركيب على أسلوب قوله تعالى ( أولئك هم المفلحون ) في سورة البقرة .
والطبع على القلب : تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكتاب المطبوع عليه أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى داخله فمعناه أن الله خلق قلوبهم أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق والهدى . وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع بعض إلى الموت كما وقع وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته اللطف به المسمى بالتوفيق الذي فسره الأشعرية بخلق القدرة والداعية إلى الطاعة وبأنه ما يقع عنده صلاح العبد آخرة . وفسر المعتزلة اللطف بإيصال المنافع إلى العبد من وجه يدق إدراكه وتمكينه بالقدرة والآلات .
( والذين اهتدوا زادهم هدى وأتيهم تقواهم [ 17 ] ) جملة معترضة بين جملة ( ومنهم من يستمع إليك ) وما فيهم عنها من قوله ( فهل ينظرون إلا الساعة ) والواو اعتراضية . والمقصود من هذا الاعتراض : مقابلة فريق الضلالة بفريق الهداية على الأسلوب الذي أقيمت عليه هذه السورة كما تقدم في أولها . فهذا أسلوب مستمر وإن اختلفت مواقع جمله .
والمعنى : والذين شرح الله صدرهم للإيمان فاهتدوا لطف الله بهم فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى فاتقوا وغالبوا أهواءهم .
وإيتاء التقوى مستعار لتيسير أسبابها إذ التقوى معنى نفساني والإيتاء يتعدى حقيقة للذوات .
وإضافة التقوى إلى ضمير ( الذين اهتدوا ) إيماء إلى أنهم عرفوا بها واختصت بهم .
( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ) تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله ( أفلم يسيروا في الأرض ) إلى قوله ( واتبعوا أهواءهم ) الشاملة لأحوال الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد ولأن المؤمنين ينتظرون أمورا أخر مثل النصر والشهادة قال تعالى ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) الآية . والنظر هنا بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ) الآية .
والاستفهام إنكار مشوب بتهكم وهو إنكار وتهكم على غائبين موجه إلى الرسول A أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتا من العقاب فإنهم مرجون إلى الساعة .
وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفا ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ) .
والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي نزل انتظارهم ما يأملونه من المرغوبات في الدنيا منزلة العدم لضآلة أمره بعد أن نزلوا منزلة من ينتظرون فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من منتظريها .
و ( أن تأتيهم ) بدل اشتمال من الساعة .
و ( بغتة ) حال من الساعة قال تعالى ( لا تأتيكم إلا بغتة ) . والبغتة : الفجأة وهو مصدر بمعنى : المرة والمراد به هنا الوصف أي مباغتة لهم .
ومعنى الكلام : أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم فحالهم كحال من ينتظر شيئا فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء هذه الاستعارة تهكمية .
A E