و ( عيينا ) معناه عجزنا وفعل ( عي ) إذا لم يتصل به ضمير يقال مدغما وهو الأكثر ويقال : عيي بالفك فإذا اتصل به ضمير تعين الفك . ومعناه : عجز عن إتقان فعل ولم يهتد لحيلته . ويعدى بالباء يقال : عيي بالأمر والباء فيه للمجاوزة . وأما أعيا بالهمزة في أوله قاصرا فهو للتعب بمشي أو حمل ثقل وهو فعل قاصر لا يعدى بالباء .
فالمعنى : ما عجزنا عن الخلق الأول للإنسان فكيف تعجز عن إعادة خلقه .
و ( بل ) في قوله ( بل هم في لبس من خلق جديد ) للإضراب الإبطالي عن المستفهم عنه أي بل ما عيينا بالخلق الأول أي وهم يعلمون ذلك ويعلمون أن الخلق الأول للأشياء أعظم من إعادة خلق الأموات ولكنهم تمكن منهم اللبس الشديد فأغشى إدراكهم عن دلائل الإمكان فأحالوه فالإضراب على أصله من الإبطال .
واللبس : الخلط للأشياء المختلفة الحقائق بحيث يعسر أو يتعذر معه تمييز مختلفاتها بعضها عن بعض .
A E والمراد منه اشتباه المألوف المعتاد الذي لا يعرفون غيره بالواجب العقلي الذي لا يجوز انتفاؤه فإنهم اشتبه عليهم إحياء الموتى وهو ممكن عقلا بالأمر المستحيل في العقل فجزموا بنفي إمكانه فنفوه وتركوا القياس بأنه من قدر على إنشاء ما لم يكن موجودا هو على إعادة ما كان موجودا أقدر .
وجيء بالجملة الاسمية من قوله ( هم في لبس من خلق جديد ) للدلالة على ثبات هذا الحكم لهم وأنه متمكن من نفوسهم لا يفارقهم البتة وليتأتى اجتلاب حرف الظرفية في الخبر فيدل على انغماسهم في هذا اللبس وإحاطته بهم إحاطة الظرف بالمظروف .
و ( من ) في قوله ( من خلق جديد ) ابتدائية وهي صفة ل ( لبس ) أي لبس واصل إليهم ومنجر عن خلق جديد أي من لبس من التصديق به .
وتنكير ( لبس ) للنوعية وتنكير ( خلق جديد ) كذلك أي ما هو إلا خلق من جملة ما يقع من خلق الله الأشياء مما وجه إحالته . ولتنكيره أجريت عليه الصفة ب ( جديد ) .
والجديد : الشيء الذي في أول أزمان وجوده .
وفي هذا الوصف تورك عليهم وتحميق لهم من إحالتهم البعث أي اجعلوه خلقا جديدا كالخلق الأول وأي فارق بينهما .
وفي تسمية إعادة الناس للبعث باسم الخلق إيماء الى أنها إعادة بعد عدم الأجزاء لا جمع لمتفرقها وقد مضى القول فيه في أول السورة .
( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ 16 ] ) هذا تفصيل لبعض الخلق الأول بذكر خلق الإنسان وهو أهم في هذا المقام للتنبيه على أنه المراد من الخلق الأول وليبنى عليه ( ونعلم ما توسوس به نفسه ) الذي هو تتميم لإحاطة صفة العلم في قوله ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) ولينتقل الإنذار بإحصاء أعمال الناس عليها وهو ما استرسل في وصفه من قوله ( إذ يتلقى الملتقيان ) الخ .
ووصف البعث وصف الجزاء من قوله ( ونفخ في الصور ) الى قوله ( ولدينا مزيد ) .
وتأكيد هذا الخبر باللام و ( قد ) مراعى فيه المتعاطفات وهي ( نعلم ما توسوس به نفسه ) لأنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلق الناس فإنهم لا يعلمون أن الله عالم بأحوالهم .
و ( الإنسان ) يعم جميع الناس ولكن المقصود منهم أولا المشركون لأنهم المسوق إليهم هذا الخبر وهو تعريض بالإنذار كما يدل عليه قوله بعده ( ذلك ما كنت منه تحيد ) وقوله ( لقد كنت في غفلة من هذا ) وقوله ( ذلك يوم الوعيد ) .
والباء في قوله ( به ) زائدة لتأكيد اللصوق والضمير عائد الصلة كأنه قيل : ما تتكلمه نفسه على طريقة ( وامسحوا برؤوسكم ) .
وفائدة الإخبار بأن الله يعلم ما توسوس به نفس كل إنسان التنبيه على سعة علم الله تعالى بأحوالهم كلها فإذا كان يعلم حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما تنقص الأرض منهم .
والإخبار عن فعل الخلق بصيغة المضي ظاهر وأما الإخبار عن علم ما توسوس به النفس بصيغة المضارع فللدلالة على أن تعلق علمه تعالى بالوسوسة متجدد غير منقض ولا محدود لإثبات عموم علم الله تعالى والكناية عن التحذير من إضمار ما لا يرضي الله .
وجملة ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) في موضع الحال من ضمير ( ونعلم )
