ويجوز أن يكون ( عن اليمين ) خبرا مقدما و ( قعيد ) مبتدأ وتكون الجملة بيانا لجملة ( يتلقى المتلقيان ) .
وعطف قوله ( وعن الشمال ) على جملة ( يتلقى ) وليس عطفا على قوله ( عن اليمين ) لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين بل كل من الجهتين قعيد مستقل بها . والتقدير : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد آخر .
والتعريف في ( اليمين ) و ( الشمال ) تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف إليه أي عن يمين الإنسان وعن شماله .
والقعيد : المقاعد مثل الجليس للمجالس والأكيل للمؤاكل والشريب للمشارب والخليط للمخالط . والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل وإما بمعنى مفعول فلما كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معا جاز مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلا على القرينة ولذلك قالوا لامرأة الرجل قعيدته .
والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كما أطلقوا القعيد على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه .
A E وجملة ( ما يلفظ من قول ) الخ مبنية لجملة ( يتلقى الملتقيان ) فلذلك فصلت . و ( ما ) نافية وضمير ( يلفظ ) عائد للإنسان .
واللفظ : النطق بكلمة دالة على معنى ولو جزء معنى بخلاف القول فهو الكلام المفيد معنى .
و ( من ) زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق . والاستثناء في قوله ( إلا لديه رقيب عتيد ) استثناء من أحوال عامة أي ما يقول قولا في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه .
والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله ( إلا لديه رقيب عتيد ) لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شر ليكون عليه الجزاء فلا يكتب الحفظة إلا ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة . وقال الحسن : يكتبان كل ما صدر من العبد قال مجاهد وأبو الجوزاء : حتى أنينه في مرضه . وروي مثله عن مالك بن أنس .
وإنما خص القول بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وأنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم .
وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم أو من أثر أذى النبي E كإلقاء سلا الجذور عليه في صلاته ونحو ذلك فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها .
ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام ونهي الناس عن اتباع الحق وترويج الباطل بإلقاء الشبه وتغرير الأغرار ونحو ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم " على أنه من المعلوم بدلالة الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك الدلالة كافية في تذكير المؤمنين .
وجملة ( إلا لديه رقيب عتيد ) في موضع الحال وضمير ( لديه ) عائد إلى ( الإنسان ) والمعنى : لدى لفظه بقوله .
و ( عتيد ) فعيل من عتد بمعنى هيأ والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله عديد أي معد كما في قوله تعالى ( وأعتدت لهن متكأ ) .
وعندي أن ( عتيد ) هنا صفة مشبهة من قولهم ( عتد ) بضم التاء إذا جسم وضخم كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي ( هذا ما لدي عتيد ) ويحصل محسن الجناس التام بين الكلمتين .
وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقي في قوله ( المتلقيان ) بأنه تلقي الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيرا حائما حول جعل المفعول المحذوف لفعل ( يتلقى ) ما دل عليه قوله بعده ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء . فالتقدير عندهم : إذ يتلقى المتلقيان عمل الإنسان وقوله فتكون هذه الجملة على تقديرهم منفصلة عن جملة ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) كما سنبينه