والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى ( في بطونهم ) فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله ( يأكلون في بطونهم ) مستعملا في المركب الحقيقي وهو لا يصح ولولا قوله في بطونهم لأمكن أن يقال : إن يأكلون هنا مستعمل حقيقة عرفية في غضب الحق ونحو ذلك .
وجوزوا أن يكون قوله ( يأكلون ) مستقبلا أي ما سيأكلون إلا النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة وهو وجيه ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله ( يشترون به ثمنا قليلا ) فإن المراد بالثمن هنا الرشوة وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلا .
وقوله ( ولا يكلمهم الله ) نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب فالمراد نفي كلام التكريم فلا ينافى قوله تعالى ( فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) وقوله ( ولا يزكيهم ) أي لا يثني عليهم في ذلك المجمع وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب ؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذ سكوت .
( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار [ 175 ] ) إن جعلت أولئك مبتدأ ثانيا لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو اسم إن في قوله ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) فالقول فيه كالقول في نظيره وهو ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) ونكتة تكريره أنه للتنبيه على أن المشار إليه جدير بأحكام أخرى غير الحكم السابق وأن تلك الأحكام لأهميتها ينبغي ألا تجعل معطوفة تابعة للحكم الأول بل تفرد بالحكمية .
وإن جعلته مبتدأ مستقلا مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان سبب انغماسهم في عذاب النار ؛ لأنه وعيد عظيم جدا يستوجب أن يسأل عنه السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا المغفرة ومجيء المسند إليه حينئذ اسم إشارة لتفظيع حالهم ؛ لأنه يشير لهم بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب .
ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسى العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه ففي كتمانهم حق رفع وباطل وضع .
ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب والقول في معنى اشتروا تقدم عند قوله تعالى ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) .
وقوله ( فما أصبرهم على النار ) تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئا عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بنى التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية وهذا من طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة الشاهد كقول زهير : .
تبصر خليلي هل ترى من ظغائن ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم بعد أن ذكر أنه وقف بالدار بعد عشرين حجة وقول مالك بن الريب .
دعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي ... بذي الطيسين فالتفت ورائيا وقريب منه قوله تعالى ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) على جعل ( لترون ) جواب ( لو ) .
( ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) جئ باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علة أو نحوهما كقول النابغة : .
" وذلك من تلقاء مثلك رائع بعد قوله : .
" أتاني أبيت اللعن أنك لمتني A E
