فإن قلت : إذا كان المقصد الشرعي من الصوم ارتياض النفس على ترك الشهوات وإثارة الشعور بما يلاقيه أهل الخصاصة من ألم الجوع واستشعار المساواة بين أهل الجدة والرفاهية وأهل الشظف في أصول الملذات بين الفريقين من الطعام والشراب واللهو فلماذا اختلفت الأديان الإلهية في كيفية الصيام ولماذا التزمت الديانة الإسلامية في كيفيته صورة واحدة ولم تكل ذلك إلى المسلم يتخذ لإراضة نفسه ما يراه لائقا به في تحصيل المقاصد المرادة .
قلت : شأن التعليم الصالح أن يضبط للمتعلم قواعد وأساليب تبلغ به إلى الثمرة المطلوبة من المعارف التي يزاولها فإن معلم الرياضة البدنية يضبط للمتعلم كيفيات من الحركات بأعضائه وتطور قامته انتصابا وركوعا وقرفصاء بعض ذلك يثمر قوة عضلاته وبعضها يثمر اعتدال الدورة الدموية وبعضها يثمر وظائف شرايينه وهي كيفيات حددها أهل تلك المعرفة وأدنوا بها حصول الثمرة المطلوبة ولو وكل ذلك للطالبين لذهبت أوقات طويلة في التجارب وتعددت الكيفيات بتعدد أفهام الطالبين واختيارهم وهذا يدخل تحت قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) .
والمراد بالأيام من قوله ( أياما معدودات ) شهر رمضان عند جمهور المفسرين وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضا ؛ تهوينا لأمره على المكلفين والمعدودات كناية عن القلة ؛ لأن الشيء القليل يعد عدا ؛ ولذلك يقولون : الكثير لا يعد ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده ( من أيام أخر ) صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة نحو قوله تعالى ( إلا أياما معدودة ) وتارة تعامل معاملة جمع المؤنث نحو : أياما معدودات فمعدودات جمع لمعدودة وأنت لا تقول يوم معدودة وكلا الاستعمالين فصيح ويظهر أنه ترك فيه تحقيقا وذلك أن الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثا مفردا لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب غير أنهم إذا أرادوا التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) لأنهم يقللونها غرورا أو تعزيرا وقال هنا ( معدودات ) لأنها ثلاثون يوما وقال في الآية الآتية ( الحج أشهر معلومات ) وهذا مثل قوله في جمع جمل جمالات على أحد التفسيرين وهو أكثر من جمال وعن المازني أن الجمع لما لا يعقل يجيء الكثير منه بصيغة الواحدة المؤنثة تقول : الجذوع انكسرت والقيل منه يجيء بصيغة الجمع تقول : الأجذاع انكسرن اه وهو غير ظاهر .
وقيل المراد بالأيام غير رمضان بل هي أيام وجب صومها على المسلمين عندما فرض الصيام بقوله ( أياما معدودات ) ثم نسخ صومها بصوم رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وإليه ذهب معاذ وقتادة وعطاء ولم يثبت من الصوم المشروع للمسلمين قبل رمضان إلا صوم يوم عاشوراء كما في الصحيح وهو مفروض بالسنة وإنما ذكر أن صوم عاشوراء والأيام البيض كان فرضا على النبي A ولم يثبت رواية فلا يصح كونها المراد من الآية لا لفظا ولا أثرا على أنه قد نسخ ذلك كله بصوم رمضان كما دل عليه حديث السائل الذي قال : لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله A : " أفلح إن صدق " .
( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) تعقيب لحكم العزيمة بحكم الرخصة فالفاء لتعقيب الأخبار لا للتفريع وتقديمه هنا قبل ذكر بقية تقدير الصوم تعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال .
والمريض من قام به المرض وهو انحراف المزاج عن حد الاعتدال الطبيعي بحيث تثور في الجسد حمى أو وجع أو فشل .
A E