وإنما قال تعالى ( فعدة من أيام أخر ) ولم يقل : فصيام أيام أخر تنصيصا على وجوب صوم أيام بعدد أيام الفطر في المرض والسفر ؛ إذ العدد لا يمون إلا على مقدار مماثل .
فمن للتبعيض إن اعتبر أيام أعن من أيام العدة أي من أيام الدهر أو السنة أو تكون من تمييز عدة أي عدة هي أيام مثل قوله ( بخمسة آلاف من الملائكة ) ووصف الأيام بأخر وهو جمع الأخرى اعتبارا بتأنيث الجمع ؛ إذ كل جمع مؤنث وقد تقدم ذلك في قوله تعالى آنفا ( أياما معدودات ) قال أبو حيان : واختير في الوصف صيغة الجمع دون أن يقال أخرى لئلا يظن أنه وصف لعدة وفيه نظر ؛ لأن هذا الظن لا يوقع في لبس ؛ لأن عدة الأيام هي أيام فلا يعتني بدفع هذا الظن فالظاهر أن العدول عن أخرى لمراعاة صيغة الجمع في الموصوف مع طلب خفة اللفظ .
ولفظ ( أخر ) ممنوع من الصرف في كلام العرب . وعلل جمهور النحويين منعه من الصرف على أصولهم بأن فيه الوصفية والعدل أما الوصفية فظاهرة وأما العدل فقالوا : لما كان جمع آخر ومفرده بصيغة اسم التفضيل وكان غير معرف باللام كان حقه أن يلزم الإفراد والتذكير جريا على سنن أصله وهو اسم التفضيل إذا جرد من التعريف باللام ومن الإضافة إلى المعرفة أنه يلزم الإفراد والتذكير فلما نطق به العرب مطابقا لموصوفه في التثنية والجمع علمنا أنهم عدلوا به عن أصله " والعدول عن الأصل يوجب الثقل على اللسان ؛ لأنه غير معتاد الاستعمال " فخففوه لمنعه من الصرف وكأنهم لم يفعلوا ذلك في تثنيته وجمعه بالألف والنون لقلة وقوعهما وفيه ما فيه .
ولم تبين الآية صفة قضاء صوم رمضان فأطلقت عدة من أيام أخر فلم تبين أتكون متتابعة أم يجوز تفريقها ولا وجوب المبادرة بها أو جواز تأخيرها ولا وجوب الكفارة على الفطر متعمدا في بعض أيام القضاء ويتجاذب النظر في هذه الثلاثة دليل التمسك بالإطلاق لعدم وجود ما يقيده كما يتمسك بالعام إذا لم يظهر المخصص ودليل أن الأصل في قضاء العبادة أن يكون على صفة العبادة المقضية .
فأما حكم تتابع أيام القضاء فروى الدارقطني بسند صحيح قالت عائشة نزلت ( فعدة من أيام أخر متتابعات ) فسقطت متتابعات تريد نسخت وهو قول الأئمة الأربعة وبه قال من الصحابة أو هريرة وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وابن عباس وتلك رخصة من الله ولأجل التنبيه عليها أطلق قوله ( من أيام أخر ) ولم يقيد بالتتابع كما قال في كفارة الظهار وفي كفارة قتل الخطأ .
فلذلك ألغي الجمهور إعمال قاعدة جريان قضاء العبادة على صفة المقضي ولم يقيدوا مطلق آية قضاء الصوم بما قيدت به آية كفارة الظهار وكفارة قتل الخطأ .
وفي الموطأ عن ابن عمر أنه يقول : يصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر قال الباجي في المنتقى : يحتمل أن يريد به الوجوب وأن يريد الاستحباب .
وأما المبادرة بالقضاء فليس في الكتاب ولا في السنة ما يقتضيها وقوله هنا ( فعدة من أيام أخر ) مراد به الأمر بالقضاء وأصل الأمر لا يقتضي الفور ومضت السنة على أن قضاء رمضان لا يحب فيه الفور بل هو موسع إلى شهر شعبان من السنة الموالية للشهر الذي أفطر فيه وفي الصحيح عن عائشة قالت : يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان . وهذا واضح الدلالة على عدم وجوب الفور وبذلك قال جمهور العلماء وشد داود الظاهري فقال : يشرع في قضاء رمضان ثاني يوم شوال المعاقب له .
وأما من أفطر متعمدا في يوم من أيام قضاء رمضان فالجمهور على أنه لا كفارة عليه ؛ لأن المفارة شرعت حفظا لحرمة شهر رمضان وليس لأيام القضاء حرمة وقال قتادة : تجب عليه الكفارة بناء على أن قضاء العبادة يساوي أصله .
( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين ) عطف على قوله ( عليكم الصيام ) والمعطوف بعض المعطوف عليه فهو في المعنى كبدل البعض أي وكتب على الذين يطيقونه فدية ؛ فإن الذين يطيقونه بعض المخاطبين بقوله ( كتب عليكم الصيام )