الظاهر رجوعه لقوله ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) فإن كان قوله ذلك نازلا في إباحة الفطر للقادر فقوله ( وأن تصموا ) ترغيب في الصوم وتأنيس به وإن كان نازلا في إباحته لصاحب المشقة كالهرم فكذلك ويحتمل أن يرجع إلى قوله : ومن كان مريضا وما بعده فيكون تفضيلا للصوم على الفطر إلا أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة ومذهب مالك رحمة الله أن الصوم أفضل من الفطر وأما في المرض ففيه تفصيل يحسب شدة المرض .
A E وقوله ( إن كنتم تعلمون ) تذييل أي تعلمون فوائد الصوم على رجوعه لقوله ( وعلى الذين يطيقونه ) إن كان المراد بهم القادرين أي إن كنتم تعلمون فوائد الصوم دنيا وثوابه أخرى وأن كنتم تعلمون ثوابه على الاحتمالات الأخر .
وجئ في الشرط بكلمة ( إن ) لأن علمهم بالأمرين من شأنه إلا يكون محققا ؛ لخفاء الفائدتين .
( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) قد علمت أن هذه الآيات تكملة للآيات السابقة وأن لا نسخ في خلال هاته الآيات فقوله : شهر رمضان خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان والجملة مستأنفة بيانيا لأن قوله ( أياما معدودات ) يثير سؤال السامع عن تعيين هذه الأيام ويؤيد ذلك قراءة مجاهد شهرا بالنصب على البدلية من أياما : بدل تفصيل .
وحذف المسند إليه جار على طريقة الاستعمال في المسند إليه إذا تقدم من الكلام ما فيه تفصيل وتبيين لأحوال المسند إليه فهم يحذفون ضميره وإذا جوزت أن يكون هذا الكلام نسخا لصدر الآية لم يصح أن يكون التقدير هي شهر رمضان فيتعين أن يكون شهر رمضان مبتدأ خبره قوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) واقتران الخبر بالفاء حينئذ مراعاة لوصف المبتدأ بالموصول الذي هو شبيه بالشرط ومثله كثير في القرآن وفي كلام العرب أو على زيادة الفاء في الخبر كقوله : .
" وقائلة خولان فأنكح فتاتهم أنشده سيبويه وكلا هذين الوجهين ضعيف .
والشهر جزء من أثنى عشر جزءا من تقسيم السنة قال تعالى ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ) والشهر يبتدئ من ظهور الهلال إلى المحاق ثم ظهور الهلال مرة أخرى وهو مشتق من الشهرة لأن الهلال يظهر لهم فيشهرونه ليراه الناس فيثبت الشهر عندهم .
ورمضان علم وليس منقولا ؛ إذ لم يسمع مصدر على وزن الفعلان من رمض بكسر الميم إذا احترق ؛ لأن الفعلان يدل على الاضطراب ولا معنى له هنا وقيل هو منقول عن المصدر . ورمضان علم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم ؛ فقد كلن العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم ؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج ومدة الرجوع إلى آفاقهم ألا ترى أن لبيدا جعل جمادى الثانية وهو نهاية فصل الشتاء شهرا سادسا إذ قال : .
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا فطال صيامه وصيامها ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ؛ لأنه مشتق من الرمضاء وهي الحرارة لأن رمضان أول أشهر الحرام بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب إذ كانت السنة تنقسم إلى ستة فصول كل فصل منها شهران : الفصل الأول الخريف وشهراه محرم وصفر الثاني ربيع الأول وهو وقت نضج الثمار وظهور الرطب والتمر وشهراه شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني على أن الأول والثاني وصف لشهر ألا ترى أن العرب يقولون " الرطب شهري ربيع " الثالث الشتاء وشهراه جمادى الأولى وجمادى الثانية قال حاتم : .
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا .
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خيشومه الذنبا الرابع الربيع الثاني والثاني وصف للربيع وهذا هو وقت ظهور النور والكمأة وشهراه رجب وشعبان وهو فصل الدر والمطر قال النابغة يذكر غزوات النعمان ابن الحارث : .
وكانت لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل وسموه الثاني لأنه يجيء بعد الربع الأول في حساب السنة قال النابغة :