فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتبار يشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدار كما قال تعالى ( وذكرهم بأيام الله ) فخلع الله على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلا مستمرا تنويها بكونها تذكرة لأمر عظيم ولعل هذا هو الذي جعل الله لأجله سنة الهدى في الحج لأن في مثل ذلك الوقت ابتلى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عزم إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي A ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي A في أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمة .
وهذا يدل على أن مراد الله تعالى من الأمة صوم ثلاثين يوما متتابعة مضبوطة المبدأ والنهاية متحدة لجميع المسلمين .
ولما كان ذلك هو المراد وفت بشهر معين قمريا لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير واختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شرف بنول القرآن فيه فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقا فيه والأغلب على ظني أن النبي A كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن ينزل عليه الوحي إلهاما من الله تعالى وتلقينا لبقية من الملة الحنفية فلما أنزل عليه الوحي في شهر رمضان أمر الله الأمة الإسلامية بالصوم في ذلك الشهر روى ابن إسحاق أن رسول الله A قال : جاورت بحراء شهر رمضان وقال ابن سعد : جاء الوحي وهو في غار حراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان .
وقوله ( هدى للناس وبينات من الهدى ) حالان من القرآن إشا بهما إلى وجه تفضيل الشهر بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان .
والمراد بالهدى الأول : ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العادة وبالبينات من الهدى : ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير من الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية . والفرقان مصدر فرق وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل أي إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام فالمراد بالهدى الأول : ضرب من الهدى غير المراد من الهدى الثاني فلا تكرار .
( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) تفريع على قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) الذي هو بيان لقوله ( كتب عليكم الصيام ) كما تقدم فهو رجوع إلى التبيين بعد الفصل بما عقب به قوله ( كتب عليكم الصيام ) من استيناس وتنويه بفضل الصيام وما يرجى من عودة على نفوس الصائمين بالتقوى وما حف الله به فرضه على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام .
وضمير ( منكم ) عائد إلى ( الذين آمنوا ) مثل الضمائر التي قبله أي كل من حضر الشهر فليصمه و ( شهد ) يجوز أن يكون بمعنى حضر كما يقال : إن فلانا شهد بدرا وشهد أحدا وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله A أي حضرها فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل شهد أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافرا وهو المناسب لقوله بعده ( ومن كان مريضا أو على سفر ) الخ .
أي فمن حضر في الشهر فليصمه كله ويفهم أن من حضر بعضه يصوم أيام حضوره .
ويجوز أن يكون ( شهد ) بمعنى علم كقوله تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر وليس شهد بمعنى رأى ؛ لا يقال : شهد بمعنى رأى وإنما يقال شاهد ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في الأساس قول ذي الرمة : .
فأصبح أجلي الطرف ما يستزيده ... يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل A E