والقول في ( كذلك يبين الله آياته للناس ) تقدم نظيره في قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) أي كما بين أحكام الصيام يبين آياته للناس أي جميع آياته لجميع الناس والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس وقوله : ( لعلهم يتقون ) أي إرادة لاتقائهم الوقوع في المخالفة لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال أو لعلهم يلتبسون بعناية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها ؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدر له مفعول مثل هل يستوي الذين يعلمون وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة .
( ولا تأكلوا أموالكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [ 188 ] ) عطف على جملة والمناسبة أن قوله ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) تحذير من الجرأة على مخالفة الصيام بالإفطار غير المأذون فيه وهو ضرب الأكل الحرام فعطف عليه أكل آخر محرم وهو أكل المال بالباطل والمشاكلة زادت المناسبة قوة هذا من جملة عداد الأحكام المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية ولذلك عطف على نظائره وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام .
كان أكل المال بالباطل شنشنة معروفة لأهل الجاهلية بل كان أكثر أحوالهم المالية فإن اكتسابهم كان من الإغارة ومن االميسر ومن غضب التقوى مال الضعيف ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى ومن الغرور والمقامرة ومن الرباة ونح ذلك . وكل ذلك من الباطل الذي ليس من طيب نفس والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا للأخذ بقصد الانتفاع دون إرجاع لأن ذلك الأخذ يشبه الأكل من جميع جهاته ولذلك لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم الأكل وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية ؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل لا يخفى .
A E والأموال : جمع مال ونعرفه " ما بقدره إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجات والتحسينيات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلا بكدح " فلا يعد الهواء مالا ولا ماء المطر والأودية والبحار مالا ولا التراب مالا ولا كهوف الجبال وضلال الأشجار مالا ويعد الماء المحتقر بالآبار مالا وتراب المقاطع مالا والحشيش والحطب مالا وما ينحته المرء لنفسه في جبل مالا .
والمال ثلاثة أنواع : النوع الأول ما تحصل تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيء وهو الأطعمة كالحبوب والثمار والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه قال تعالى ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونه يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) وقال ( لتركبوا منها ومنها تأكلون ) وقد سمت العرب الإبل مالا قال زهير : .
" صحيحات مل طالعات بمخرم وقال عمر " لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا " وهذا النوع هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها لأن المنفعة حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاملين ولا على اصطلاحات المنظمين فصاحبة ينتفع به زمن السلم وزمن الحرب وفي وقت الثقة ووقت الخوف وعند رضا الناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه وفي الحديث " يقول ابن آدم مالي مالي وإنما مالك ما أكلت فأمريت أو أعطيت فأغنيت " فالحصر هنا للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي .
النوع الثني : ما تحمل تلك الإقامة به وبما يكمله مما يتوقف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها والنار للطبخ والإذابة والماء لسقي الأشجار وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك وهذا النوع دون النوع الثاني لتوقفه على أشياء ربما كانت في أيدي الناس فضنت بها وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق