هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال فإنه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم عمم المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحا بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تعميم الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال . فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم .
وعطف الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغى فحصلت المغايرة المقتضية العطف ولذلك قال هنا ( واقتلوهم ) ولم يقل : وقاتلوهم مثل الآية قبلها تنبيها على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غير مباشر للقتال وأنه من خرج محاربا فهو قاتل وإن لم يقتل .
و ( ثقفتموهم ) بمعنى لقيتموهم لقاء حرب وفعله كفرح وفسره في الكشاف بأنه وجود على حالة فهو وغلبة .
A E وقوله ( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أي يحل لكم حينئذ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى ( لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ) الآية .
وقوله ( والفتنة أشد من القتل ) تذييل وأل فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخطابي وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه .
والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العيش وقد تقدمت عند قوله تعالى ( حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعا من مؤاخذتهم عليه ؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل ويراد منها أيضا الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة .
وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيل .
( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين [ 191 ] فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم [ 192 ] ) الجملة معطوفة على جملة ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) التي أفادت الأمر بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حلوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه إذ قد يبادر إلى اغتيال عدوه في حال تردده وتفكره فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم الأمكنة التي شملها قوله ( حيث ثقفتموهم ) أي إن ثقفتموهم عند المسجد الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم والمقصد من هذا حفظ حرمة المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله ( مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين عند المسجد الحرام وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحدا من المشركين دون قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب .
وجعلت غاية النهي بقوله ( حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) أي فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام لأنهم خرقوا حرمة المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين .
فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ما كان قبل هذا النهي فوجب على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ثقفوا منهم كذلك .
وفي قوله تعالى ( فاقتلوهم ) تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذ ولو في غير اشتباك معهم بقتال لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام وسيلة لهزم المسلمين