والحق أن حمل الأمر في ذلك على الأمر بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت وقراءة : ( وأقيموا ) لشذوذها لا تكون داعيا للتأويل ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلاف الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر ؛ بأن يدل على معنى : إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازا بديعا وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا لأنهم كانوا نووا العمرة على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن أتموا هنا مراد منه إيجاب الشروع لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما أشار له العصام .
A E فالحق أن الآية ليست دليلا لحكم العمرة وقد اختلف العلماء في حكمها : فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك : لا أعلم أحدا رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين .
وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وإسحاق بن راهويه .
ودليلنا حديث جابر بن عبد الله وقيل : يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال : لا وأن تعتمروا فهو أفضل أخرجه الترمذي ولأن عبادة مثل هذه ولو كانت واجبة لأمر بها النبي A ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة وقد روى عن ابن مسعود أنه كان يقول : لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئا قلت : العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله : لم أسمع إلخ ولأن الله تعالى قال ( ولله على الناس حج البيت ) ولم يذكر العمرة ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد .
ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة واحتج أصحابنا أيضا بحديث : بني الإسلام على خمس وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيها العمرة وحديث الأعرابي الذي قال : لا أزيد ولا أنقص : فقال : أفلح إن صدق ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية إذ قرنت فيها مع الحخ وبقول بعض الصحابة وبالاحتياط .
واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامة ذلك قبل الرجوع إلى بلده ففي البخاري أخرج حديث أبي موسى الأشعري قال : بعثني رسول الله A إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء " عام حجة الوداع " فقال : بم أهللت ؟ فقلت : أهللت كإهلال النبي قال : أحسنت هل معك من هدي ؛ قلت : لا فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له فقال : أن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام قال تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وأن نأخذ بسنة رسول الله A فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله يريد عمر " والله أعلم " أن أبا موسى أهل بإهلال كإهلال النبي A والنبي كان مهلا بحجة وعمرة معا فهو قارن والقارن متلبس بحج فلا يجوز أن يحل في أثناء حجة وتمسك بفعل الرسول عليه السلام أنه كان قارنا ولم يحل وهذا مبني على عدم تخصيص المتواتر بالآحاد كما هو قوله في حديث فاطمة ابنة قيس في النفقة .
وقوله ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) عطف على ( أتموا ) والفاء للتفريع الذكرى فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام .
ولا سيما الحج ؛ لأن وقته يفوت غالبا بعد ارتفاع المانع بخلاف العمرة والإحصار في كلام العرب منع الذات من فعل ما يقال : أحصره منعه مانع قال تعالى ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) أي منعهم الفقر من السفر للجهاد وقال ابن ميادة : .
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول