المناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله ( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ) فقد كلفت به الأمم قبلنا فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى عليه السلام وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود وكلف ذو القرنين بتعذيب الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض .
ولفظ ( كتب عليكم ) من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية وأل في القتال للجنس ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموما عرفيا أي كتب عليكم قتال عدو الدين .
والخطاب للمسلمين وأعداؤهم يومئذ المشركون لأنهم خالفوهم في الدين وآذوا الرسول والمؤمنين فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وقد كان النبي A غير مأذون في القتال في أول ظهور الإسلام ثم أذن له في ذلك بقوله تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) ثم نزلت آية قتال المبادئين بقتال المسلمين في قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) كما تقدم آنفا .
هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد الله بن جحش كما يأتي وذلك في الشهر السابع عشر من الهجرة فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات والنظم التي حوتها كقوله : كتب عليكم الصيام كتب عليكم القصاص كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت .
فعلى المختار يكون قوله : ( كتب عليكم القتال ) خبرا عن حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله : ( وهو كره لكم ) الآية أو إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده أو إنشاء أنفا لوجوب القتال إن كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) إذن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له .
وقوله : ( وهو كره لكم ) حال لازمة وهي يجوز اقترانها بالواو ولك أن تجعلها جملة ثانية معطوفة على جملة : كتب عليكم القتال إلا أن الخبر بهذا لما كان معلوما للمخاطبين تعين أن يكون المراد من الإخبار لازم الفائدة أعني كتبناه عليكم ونحن عالمون أنه شاق عليكم وربما رجح هذا الوجه بقوله تعالى بعد هذا : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
والكره بضم الكاف : الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكره بالفتح على الأصح وقيل : الكره بالضم المشقة ونفرة الطبع وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل ما بأذى أو مشقة وحيث قرئ بالوجهين هنا وفي قوله تعالى ( حملته أمه كرها ووضعته كرها ) ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العقيلي : .
بكره سراتنا يا آل عمرو ... نغاديكم بمرهفة النصال رووه بضم الكاف وبفتحها .
على أن قوله تعالى بعد ذلك ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) الوارد مورد التذييل : دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئيا من جزئيات أن تكرهوا شيئا .
وقد تمحل صاحب الكشاف لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز . وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء : .
" فإنما هي إقبال وإدبار أي تقبل وتدبر وقيل : الكره اسم للشيء المكروه كالخبر .
فالقتال كريه للنفوس لأنه يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذاته ونومه وطعامه وأهله وبيته ويلجئ الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح ولكن فيه دفع المذلة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم وفي الحديث " لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتم فاصبروا " وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العقيلي : .
ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي ومعلوم أن كراهية الطبع لا تنافي تلقي التكليف به برضا لأن أكثر التكليف لا يخلو عن مشقة .
A E
