ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب فهذا سبب صعوبة الكمالات على النفوس .
ثم إن الله تعالى جعل نظام الوجود في هذا العالم بتولد الشيء من بين شيئين وهو المعبر عنه بالازدواج غير أن هذا التولد يحصل في الذوات بطريقة التولد المعروفة قال تعالى ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) وأما حصوله في المعاني فإنما يكون بحصول الصفة من بين معني صفتين أخريين متضادتين تتعادلان في نفس فينشأ عن تعادلهما صفة ثالثة .
والفضائل جعلت متولدة من النقائص ؛ فالشجاعة من التهور والجبن والكرم من السرف والشح ولا شك أن الشيء المتولد من شيئين يكون أقل مما تولد منه لأنه يكون أقل من الثلث إذ ليس كلما وجد الصفتان حصل منهما تولد صفة ثالثة بل حتى يحصل التعادل والتكافؤ بين تينك الصفتين المتضادتين وذلك عزيز الحصول ولا شك أن هاته الندرة قضت بقلة اعتياد النفوس هاته الصفات فكانت صعبة عليها لقلة اعتيادها إياها .
ووراء ذلك فالله حدد للناس نظاما لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما خلقت لأجله فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان وهذا النظام كله تهيئة لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة كما يقال ( الدنيا مزرعة الآخرة ) وبهذا تكمل نظرية النقض الذي نقض به الشيخ الأشعري على شيخه الجبائي أصلهم في وجوب الصلاح والأصلح فيكون بحث الأشعري نقضا وكلامنا هذا سندا وانقلابا إلى استدلال .
وجملة ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) تذييل للجميع ومفعولا ( يعلم ) و ( تعلمون ) محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم فيظنون الملائم نافعا والمنافر ضارا .
والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح والخير وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه فتطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها لنفرع عليها ونقيس ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة لأن الله تعالى لا يجري أمره ونهيه إلا على وفق علمه .
( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) من أهم تفاصيل الأحوال في القتال الذي كتب على المسلمين في الآية قبل هذه أن يعلموا ما إذا صادف القتال بينهم وبين المشركين الأشهر الحرم إذ كلن محجرا في العرب من عهد قديم ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك الحجر ؛ لأنه من المصالح قال تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ) فكان الحال يبعث على السؤال عن استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام .
روى الواحدي في أسباب النزول عن الزهري مرسلا وروي الطبري عن عروة بن الزبير مرسلا ومطولا أن هذه الآية نزلت في شأن سرية عبد الله بن جحش فإن النبي A أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقى عيرا لقريش ببطن نخلة في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة فلقي المسلمون العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحضرمي فقتل رجل من المسلمين عمروا وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة وذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة فعظم ذلك على قريش وقالوا : استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية . فقيل : إن النبي A رد عليهم الغنيمة والأسيرين وقيل : رد الأسيرين وأخذ الغنيمة .
فإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) وآية ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه كان وضعهما في التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالا لما اشتملت عليه الآيتان الأخريان وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة .
والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد لآية ( الشهر الحرام بالشهر الحرام )